نصف قرن على ديوان "بشر وتواريخ وأمكنة": منذر مصري يعيد إحياء أيقونة قصيدة النثر


هذا الخبر بعنوان "نصف قرن على الطبعة الأولى..منذر مصري يعيد إصدار ديوان “بشر وتواريخ وأمكنة”" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة ثقافية بارزة، يعود ديوان «بشر وتواريخ وأمكنة» للشاعر منذر مصري إلى القراء في طبعة جديدة، أصدرتها دار جدار للثقافة والنشر (الإسكندرية – مالمو). تأتي هذه الطبعة بعد نحو خمسين عاماً على صدور الطبعة الأولى، ضمن مشروع الدار الهادف إلى إعادة تقديم الأعمال التأسيسية في قصيدة النثر العربية، وتوفيرها بصيغتيها الورقية والرقمية.
يُعتبر هذا الديوان من المنجزات الرائدة في قصيدة النثر العربية، حيث تبلورت فيه الملامح الأساسية للمشروع الشعري لمنذر مصري. منذ ظهوره في أواخر سبعينيات القرن الماضي، لفت الديوان الأنظار كإسهام شعري مميز، نقل القصيدة من فضاءات البطولة إلى رحاب الإنسان العادي، ومن البلاغة المتعالية إلى لغة مقتصدة ومكثفة، قريبة من تفاصيل الحياة اليومية مع الحفاظ على جوهرها الشعري.
يبني الديوان عالمه الخاص من خلال عناصر البشر والتواريخ والأمكنة، لتصبح هذه المكونات نسيجاً داخلياً للقصيدة. فالتواريخ تشكل جزءاً من البنية الشعرية، بينما تتحول المدن والقرى والأسماء، سواء كانت معروفة أو مجهولة، إلى ذاكرة شعرية تتداخل فيها مفاهيم الحرب والحياة واليومي والوجودي، لتشكل تجربة متماسكة تبدو أقرب إلى سيرة زمن كامل منها إلى مجرد مجموعة قصائد منفصلة.
يضم الديوان نصوصاً أصبحت علامات فارقة في مسيرة الشاعر، منها: «يصدق الغربان»، و«أنا سيزيف الذي»، و«رعشة عشبك الدامي»، و«المقاطع الخمسة»، وغيرها من القصائد التي رسخت حضورها في تاريخ قصيدة النثر العربية، وظلت حاضرة في القراءات النقدية وفي الأعمال الشعرية الكاملة للمصري.
تمثل هذه الطبعة الجديدة فرصة لإعادة اكتشاف كتاب حافظ على حضوره لأكثر من نصف قرن، بوصفه وثيقة تاريخية لقصيدة النثر العربية، ونصاً لا يزال قادراً على إنتاج قراءات جديدة، بفضل رؤيته الفريدة للعلاقة بين الإنسان والتاريخ والمكان، وبين اللغة وتجربة العيش اليومية.
في مقدمة الطبعة الجديدة، التي كتبها المصري تحت عنوان «طفلي الأول- بشر وتواريخ وأمكنة»، يعبر عن تجربته قائلاً: «بقيت شاعراً بكتاب واحد أو بكتاب وثلث إذا أخذ بالحسبان مشاركتي لأختي مرام وصديقي محمد سيدة في “أنذرتك بحمامة بيضاء”، مدة ثمانية عشر عاماً، من إصدار هذا الكتاب حتى إصدار “مزهرية على هيئة قبضة يد”. لدرجة أني أقنعت نفسي بأن الشاعر الحقيقي هو من يصدر كتاباً واحداً طوال حياته، يودعونه معه القبر».
من جهته، عنون الشاعر خلف علي الخلف مقدمته لهذه الطبعة بـ «منذر مصري خط أحمر»، وكتب فيها: «قرأت منذر مصري باكراً، في المرحلة الثانوية على الأرجح. كنت، مثل كثيرين من أبناء الرقة الذين لا يملكون في ذلك الوقت من مباهج الدنيا سوى الخروج إلى النهر (الفرات) والقراءة وشراء الكتب زهيدة الثمن التي كانت تصدرها وزارة الثقافة، وحين أتت بي جامعة حلب، متأخراً إلى شعرائها في ملتقاها الأدبي وجدت اسم منذر مصري رائجاً إلى جانب شعراء آخرين تكرمهم منذر في مقدمة هذه الطبعة من «بشر وتواريخ وأمكنة». لم يشكل هو، ولا أولئك، أي هاجس لي يدفعني إلى تبني تجربتهم، فقد كنت في مكان آخر. لم أكن أجمل قصيدة النثر العربية، بأعلامها وحتى مجهولها، فمنذ المرحلة الثانوية كان معلمي الراحل عبد اللطيف خطاب يزودني أسبوعياً بمختارات من كتبهم، إلى جانب الدراسات والتنظيرات النقدية، فأعيدها إليه في الأسبوع التالي وأستلم غيرها. غير أن منذر بدا لي مختلفاً عن الآخرين، ولا أدري إن كان هذا الإحساس قد تشكل من القراءة الباكرة أم جاء لاحقاً، فلم تكن قصيدته بسيطة، وإن بدت كذلك لأول وهلة، منذر لم يبسط القصيدة حتى تفقد مجازها كما فعل كثير من مجايليه، ولم يغرقها في الغموض كما فعل آخرون، بل جعلها أكثر تعقيداً كلما بدت أبسط».
ويرى الخلف أن القراءة والثقافة المعرفية أسهمتا في منح قصيدة منذر مصري كثافتها الفكرية والفلسفية، مع احتفاظها ببساطتها واقتصادها اللغوي، بعيداً عن التجريد المفرط أو الانفصال عن العالم. وتأتي هذه الطبعة الجديدة ضمن سلسلة منشورات دار جدار للثقافة والنشر، التي تُعنى بإعادة نشر الأعمال الأدبية العربية ذات القيمة الجمالية والتاريخية، بالتوازي مع تقديم الأصوات الجديدة في الشعر والرواية والفكر.
يذكر أن الشاعر والرسام منذر شكيب مصري، المولود في اللاذقية عام 1949، بدأ مسيرته بنشر قصائده في كراسات صغيرة كان يطبعها ويوزعها بنفسه، قبل أن يصدر ما يقارب عشرين كتاباً شعرياً ونثرياً. تُرجمت مختارات من أعماله إلى عدد من اللغات العالمية، وشارك في مهرجانات وملتقيات أدبية وفنية عربية ودولية. صدرت أعماله الشعرية الكاملة في ثلاثة أجزاء عام 2023، وكانت الطبعة الأولى من ديوان «بشر وتواريخ وأمكنة» قد صدرت عام 1979.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة