الشيباني في بيروت: دمشق ترسم ملامح علاقات سورية-لبنانية جديدة على أسس مؤسساتية


هذا الخبر بعنوان "الشيباني في بيروت.. رسم ملامح مرحلة جديدة في العلاقات السورية–اللبنانية" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تأتي زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان في خضم تحولات سياسية إقليمية متسارعة، حيث تتواصل جهود إعادة رسم التوازنات الإقليمية بعد سنوات من الصراعات التي أعادت تشكيل خريطة التحالفات في المشرق. وفي هذا السياق، تسعى الدولة السورية الجديدة إلى تعزيز علاقاتها مع محيطها العربي من خلال خطاب يركز على الانفتاح السياسي والتعاون الاقتصادي، مما يمنح الزيارة أهمية تتجاوز بعدها الثنائي لتشكل مؤشراً على المقاربة المستقبلية لدمشق تجاه بيروت. وتكتسب الزيارة أهمية إضافية كونها الأولى بهذا المستوى منذ التغيير السياسي في سوريا، في ظل استمرار العلاقات السورية-اللبنانية بحملها إرثاً من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، بدءاً من الحدود والأمن، مروراً بحركة التجارة والترانزيت، وصولاً إلى طبيعة إدارة العلاقة بين البلدين عبر العقود الماضية. جاءت الزيارة أيضاً بعد أشهر من النقاشات اللبنانية التي صاحبت تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتلميحات سياسية حول مستقبل الدور السوري في لبنان، خاصة فيما يتعلق بملف سلاح حزب الله. ووفقاً لقراءات سياسية، دفعت هذه التطورات دمشق إلى التأكيد، عبر برنامج الزيارة وخطابها الرسمي، على أن العلاقة في المرحلة المقبلة ستدار عبر مؤسسات الدولتين، مع احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
من “الدولة إلى الدولة”.. إعادة تنظيم العلاقة
عكس برنامج الشيباني هذا التوجه، حيث لم يقتصر على اللقاءات الدستورية مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بل شمل أيضاً لقاءات مع مرجعيات دينية وسياسية بارزة، منها البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، ومفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبد اللطيف دريان، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، ورئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، إضافة إلى زيارة مدينة طرابلس. وخلال لقاءاته، شدد الشيباني على ضرورة قيام العلاقات السورية-اللبنانية على مبدأ “الدولة إلى الدولة”، مع احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، إلى جانب تطوير التعاون في ملفات الأمن، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية. كما أعلن عن استعداد دمشق للتواصل مع مختلف القوى اللبنانية إذا كان ذلك يخدم مصلحة البلدين. وبرز خلال الزيارة الإعلان عن إنشاء اللجنة العليا اللبنانية-السورية المشتركة، بوصفها إطاراً مؤسساتياً لتنظيم التعاون بين الحكومتين في الملفات السياسية والاقتصادية والإدارية، في خطوة تعكس توجهاً نحو إدارة العلاقات عبر المؤسسات الرسمية.
الربيع: الزيارة جزء من مشروع إقليمي أوسع
يرى رئيس تحرير صحيفة “المدن” منير الربيع، في حديثه لموقع سوريا 24، أن زيارة الشيباني لا تقتصر على إعادة ترتيب العلاقات الثنائية، بل تأتي في سياق تحولات إقليمية تشهد محاولات لبناء تفاهمات جديدة، بما في ذلك مسار المفاوضات الإيرانية-الأميركية وجهود التقارب بين إيران ودول الخليج. ويعتقد الربيع أن هذه التحولات تفتح المجال أمام مشروع إقليمي يقوم على الحد الأدنى من المصالح المشتركة والتكامل بين دول المنطقة، في مقابل ما يصفه بمشروع إسرائيلي يسعى إلى تكريس الانقسام الإقليمي. ويعتبر أن أي تفاهمات إقليمية من شأنها أن تحد من قدرة إسرائيل على فرض رؤيتها السياسية والأمنية، وهو ما يفسر حرصها على إبقاء المنطقة في حالة استقطاب. ويضيف أن دمشق تنظر إلى نفسها كجزء من مشروع إقليمي يقوم على التكامل السياسي والاقتصادي، ويجعل من سوريا نقطة تقاطع بين الخليج والمشرق وتركيا، مما يفتح المجال أمام مشاريع للنقل والتجارة والطاقة، ويرى أن تطوير العلاقات مع لبنان يمثل أحد مكونات هذا التصور.
عين التينة ورسائل الطمأنة
في الشأن اللبناني، يرى الربيع أن الزيارة حملت رسالة واضحة مفادها أن العلاقة بين دمشق وبيروت ستُبنى على مبدأ “الدولة إلى الدولة”، من خلال مأسسة التعاون عبر اللجنة العليا اللبنانية-السورية المشتركة، وإعادة تنظيم العلاقات ضمن الأطر الرسمية، معتبراً أن ذلك يشكل رداً على المخاوف التي أثيرت بشأن طبيعة الدور السوري في لبنان. ويضيف أن اللقاء الذي جمع الشيباني برئيس مجلس النواب نبيه بري في عين التينة اكتسب أهمية خاصة، لأنه عكس رغبة دمشق في ترسيخ مسار سياسي جديد يقوم على الانفتاح على مختلف المكونات اللبنانية، وتعزيز التعاون في الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، بما يسهم في إعادة بناء الثقة بين البلدين. كما يشير الربيع إلى أن دمشق حرصت، عبر تصريحات الشيباني، على نفي أي نية للتدخل في الشأن اللبناني أو القيام بأي دور عسكري داخل لبنان، مؤكداً أن التعاون المقترح يقتصر على التنسيق بين الدولتين في القضايا المشتركة، ولا سيما ضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وتعزيز الاستقرار. ويرى كذلك أن الشيباني طرح استعداد سوريا للمساعدة في مواجهة التحديات التي يواجهها لبنان، بما في ذلك ملف السلاح، شريطة أن تتم معالجة هذا الملف في إطار الحوار الداخلي اللبناني، وتطبيق اتفاق الطائف، وحصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أن إعلان دمشق استعدادها للانفتاح على التواصل مع حزب الله، إذا كان ذلك يخدم مصلحة البلدين، يعكس مقاربة تقوم على الحوار مع مختلف الأطراف اللبنانية.
حاوي: سياسة تقوم على خفض التوتر
من زاوية أخرى، يقول عضو مجلس الشعب السوري بشر حاوي، في حديثه لموقع سوريا 24، إن زيارة الشيباني تعكس سياسة تتبناها الإدارة السورية الجديدة تقوم على خفض التوتر وتصفير المشكلات مع دول الجوار، وفي مقدمتها لبنان، بالنظر إلى تشابك الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية بين البلدين. ويضيف حاوي أن دمشق حرصت خلال الزيارة على تبديد المخاوف بشأن احتمال عودة أي دور سوري في الشأن اللبناني، مؤكداً أن المقاربة السورية تقوم على احترام سيادة لبنان وبناء علاقة قائمة على التعاون السياسي بين الدولتين. ويرى أن أي دور سوري مستقبلي سيكون، إذا اقتضته الظروف، في إطار سياسي ودبلوماسي، بعيداً عن أي مقاربة أمنية أو عسكرية، مع التركيز على أمن الحدود، ومكافحة التهريب، وتعزيز التعاون الاقتصادي.
الاقتصاد بوابة المرحلة الجديدة
في قراءتها للبعد الاقتصادي، تقول الصحفية اللبنانية المهتمة بالشأن الاقتصادي فيوليت بلعة، في حديثها لموقع سوريا 24، إن الزيارة اكتسبت أهمية من حيث الشكل والمضمون، باعتبارها أول زيارة رسمية علنية لوزير خارجية سوري إلى لبنان وفق منطق العلاقات بين الدول، معتبرة أن إنشاء اللجنة العليا اللبنانية-السورية المشتركة يمثل تحولاً مؤسساتياً مهماً مقارنة بالمجلس الأعلى اللبناني-السوري الذي ارتبط بمرحلة سابقة. وترى بلعة أن الرسالة التي حملتها دمشق تقوم على الشراكة، وحسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، معتبرة أن اتساع برنامج الزيارة ليشمل المرجعيات السياسية والدينية، إلى جانب زيارة طرابلس، يعكس رغبة في فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية. وتضيف أن نجاح هذا المسار يتطلب الإسراع في تفعيل آليات التعاون، ولا سيما في ملفات ضبط الحدود، ومنع التهريب، وإعادة تنشيط حركة الشحن والترانزيت، باعتبار سوريا المنفذ البري للبنان نحو الأسواق العربية، فضلاً عن التعاون في مشاريع إعادة الإعمار، التي ترى أنها قد تشكل فرصة اقتصادية مشتركة للبلدين إذا ما أُنجزت ضمن أطر مؤسساتية مستقرة.
اختبار التنفيذ
وبين الرسائل السياسية التي حملتها زيارة الشيباني والقراءات التي قدمها الربيع وحاوي وبلعة، يبرز توافق على أن الزيارة تمثل محاولة لإعادة تنظيم العلاقات السورية-اللبنانية ضمن أطر رسمية جديدة، مع اختلاف زوايا النظر إلى دوافعها وأولوياتها. ويبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بمدى قدرة الجانبين على تحويل الرسائل السياسية إلى خطوات تنفيذية في ملفات الأمن والحدود والاقتصاد، بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة