ثقافة

من شعارات الوحدة إلى واقع التحديات: رحلة العروبة في مئة عام

syriahomenews٤ تموز ٢٠٢٦ في ٠٧:١٩ ص5 مشاهدة
من شعارات الوحدة إلى واقع التحديات: رحلة العروبة في مئة عام

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مئة عام من العروبة:  من الرومانسية السياسية إلى الواقعية الحتمية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ تموز ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بقلم: المهندس حسان نديم حسن

لم تكن صيحات الفرح التي انطلقت من ملايين الحناجر من المحيط إلى الخليج مع كل هدف يسجله لاعبو المنتخبات العربية في كأس العالم مجرد حماس كروي عابر، بل هي تعبير عاطفي صادق ذابت فيه الحدود السياسية وتلاشت معه الخلافات. في تلك اللحظات الفريدة، توحدت نبضات القلوب في الجزائر والقاهرة ودمشق والرياض، كاشفة عن رابط عميق كامن في نفوس العرب. هذا التدفق التلقائي للمشاعر يثبت أن الرابطة العربية لا تزال نابضة، وتظهر بوضوح عفوي كدليل ملموس على أن الثقافة والحضارة المشتركة قادرة على تجديد نفسها بأشكال عصرية تناسب زمننا.

من هذا المشهد العفوي، ينفتح الباب أمام قراءة أعمق وأكثر واقعية لمئة عام من العروبة، لننظر في مسار تحول هذه الهوية عبر قرن من الزمن، من رداء الشعارات والأحلام السياسية إلى أرض الواقع المعقد.

عصر الأحلام السياسية: التأسيس وصعود الفكرة

بدأت العروبة مطلع القرن العشرين بالبحث عن مكانها في العالم بعد انهيار الإمبراطوريات القديمة وإعادة رسم خرائط المنطقة. في النصف الأول من القرن، ركز مفكرو القومية على الروابط المشتركة مثل اللغة والتاريخ والمصير الواحد. مرت هذه الفترة بمرحلتين رئيسيتين:

  1. مرحلة التحرر الوطني: كانت العروبة هي المظلة الأساسية لحركات الاستقلال ضد الاستعمار، ولم تكن الهوية حينها مجرد انتماء ثقافي، بل أصبحت أداة لجمع الناس وتنظيمهم لرفض التقسيم وتثبيت سيادة الدول.
  2. ذروة المد القومي: شهدت فترة الخمسينيات والستينيات محاولات جادة لتحويل الأفكار النظرية إلى دول واتحادات حقيقية، وتميزت هذه المرحلة بحماس شعبي كبير وسيطرة خطاب الوحدة الذي تصدر المشهد السياسي العربي. امتلك مشروع الوحدة في بداياته قوة دفع شعبية هائلة، لكنه اعتمد بشكل مفرط على عواطف الجماهير وشعبية القادة، وقلل من شأن الفروق الاقتصادية والإدارية الكبيرة بين الدول العربية.

صدام الأحلام بالواقع: صعود الدولة الوطنية والمصالح

لم تدم الأحلام الكبرى طويلاً دون الاصطدام بتعقيدات السياسة الدولية والمحلية. أدت عدة تحولات في النصف الثاني من القرن العشرين إلى تراجع فكرة الوحدة التقليدية، ليحل محلها الاهتمام بالدولة الوطنية أو القطرية، وذلك نتيجة لثلاثة عوامل:

  1. تعثر مشاريع الوحدة: كشف غياب المؤسسات الاقتصادية والإدارية القوية عن صعوبة دمج الدول من الأعلى إلى الأسفل، مما رسخ قناعة عامة بأن بناء الدولة من الداخل وتقوية مؤسساتها هو الخطوة الأساسية الأولى قبل التفكير في أي روابط عابرة للحدود.
  2. الأزمات والحروب المتلاحقة: وضعت الأزمات والحروب الإقليمية الكبرى العمل العربي المشترك أمام اختبارات صعبة، حيث تقدمت لغة المصالح المباشرة والأمن الخاص بكل دولة على حساب الشعارات القومية الكبرى.
  3. تغير الأولويات اليومية: تحول التركيز من المشاريع الشاملة إلى قضايا التنمية المحلية، وتحسين الاقتصاد، وتأمين الخدمات، ومواجهة التحديات المعيشية المتزايدة داخل حدود كل بلد.

العروبة اليوم: كيف تعيش الفكرة في القرن الحادي والعشرين؟

مع مطلع الألفية الجديدة، لم تنتهِ العروبة كما تسرع البعض في إعلان ذلك، بل أعادت إنتاج نفسها بعيداً عن القرارات الرسمية والخطابات الحزبية التقليدية. يمكن رصد مظاهرها الحالية في ثلاثة جوانب رئيسية:

  1. المشاعر المشتركة في الأوقات الصعبة: وهي العاطفة التلقائية التي تظهر خلال التضامن الشعبي الواسع أثناء الأزمات الإنسانية والحروب. هذا التجاوب السريع يبرهن على وجود عمق وجداني مشترك لا تؤثر فيه الخلافات السياسية العابرة.
  2. الثقافة والتواصل الرقمي: تتجلى العروبة اليوم كإرث حي، ويظهر ذلك في حيوية اللغة العربية وتطورها، والحفاظ على الهوية المعمارية للمدن التاريخية، فضلاً عن نشوء فضاء رقمي مشترك على وسائل التواصل الاجتماعي حيث يتبادل الشباب العربي الأفكار والفنون والمعارف بسلاسة وبلا حواجز.
  3. ثقافة الاعتماد على الذات: المفهوم الجديد للعروبة يتمحور اليوم حول الإنسان وقدرته على العمل وسط الأزمات. إنها عروبة ترتكز على النجاح المهني والتحصيل العلمي والابتكار وإثبات الذات في عالم يعج بالتحديات التي تسعى لتذويب الهويات الثقافية.

نحو مئوية جديدة: العروبة الوظيفية كخيار حتمي

تُظهر الحصيلة التحليلية لقرن من الزمن أن العروبة تكتسب ديمومتها وحيويتها من انتقالها الجوهري من ضيق الأيديولوجيا السياسية المفروضة من الأعلى إلى رحابة الهوية الحضارية والثقافية المتجذرة في الأسفل. المستقبل لا يتطلب استدعاءً نوستالجيّاً (حنينًا إلى الماضي وشعاراته) بقدر ما يستوجب صياغة عروبة وظيفية قائمة على الشراكات الاقتصادية الملموسة، والتبادل المعرفي، والأمن المائي والبيئي، والابتكار التكنولوجي. إنها مقاربة تقر بالخصوصية السياسية والوطنية لكل دولة، لكنها تستثمر في الجذور المشتركة كرافعة استراتيجية لضمان موقع متقدم في عالم محكوم بالتكتلات القوية والمجتمعات الحية.

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

شارك الخبر: