من شعارات الوحدة إلى واقع التحديات: رحلة العروبة في مئة عام


هذا الخبر بعنوان "مئة عام من العروبة: من الرومانسية السياسية إلى الواقعية الحتمية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: المهندس حسان نديم حسن
لم تكن صيحات الفرح التي انطلقت من ملايين الحناجر من المحيط إلى الخليج مع كل هدف يسجله لاعبو المنتخبات العربية في كأس العالم مجرد حماس كروي عابر، بل هي تعبير عاطفي صادق ذابت فيه الحدود السياسية وتلاشت معه الخلافات. في تلك اللحظات الفريدة، توحدت نبضات القلوب في الجزائر والقاهرة ودمشق والرياض، كاشفة عن رابط عميق كامن في نفوس العرب. هذا التدفق التلقائي للمشاعر يثبت أن الرابطة العربية لا تزال نابضة، وتظهر بوضوح عفوي كدليل ملموس على أن الثقافة والحضارة المشتركة قادرة على تجديد نفسها بأشكال عصرية تناسب زمننا.
من هذا المشهد العفوي، ينفتح الباب أمام قراءة أعمق وأكثر واقعية لمئة عام من العروبة، لننظر في مسار تحول هذه الهوية عبر قرن من الزمن، من رداء الشعارات والأحلام السياسية إلى أرض الواقع المعقد.
بدأت العروبة مطلع القرن العشرين بالبحث عن مكانها في العالم بعد انهيار الإمبراطوريات القديمة وإعادة رسم خرائط المنطقة. في النصف الأول من القرن، ركز مفكرو القومية على الروابط المشتركة مثل اللغة والتاريخ والمصير الواحد. مرت هذه الفترة بمرحلتين رئيسيتين:
لم تدم الأحلام الكبرى طويلاً دون الاصطدام بتعقيدات السياسة الدولية والمحلية. أدت عدة تحولات في النصف الثاني من القرن العشرين إلى تراجع فكرة الوحدة التقليدية، ليحل محلها الاهتمام بالدولة الوطنية أو القطرية، وذلك نتيجة لثلاثة عوامل:
مع مطلع الألفية الجديدة، لم تنتهِ العروبة كما تسرع البعض في إعلان ذلك، بل أعادت إنتاج نفسها بعيداً عن القرارات الرسمية والخطابات الحزبية التقليدية. يمكن رصد مظاهرها الحالية في ثلاثة جوانب رئيسية:
تُظهر الحصيلة التحليلية لقرن من الزمن أن العروبة تكتسب ديمومتها وحيويتها من انتقالها الجوهري من ضيق الأيديولوجيا السياسية المفروضة من الأعلى إلى رحابة الهوية الحضارية والثقافية المتجذرة في الأسفل. المستقبل لا يتطلب استدعاءً نوستالجيّاً (حنينًا إلى الماضي وشعاراته) بقدر ما يستوجب صياغة عروبة وظيفية قائمة على الشراكات الاقتصادية الملموسة، والتبادل المعرفي، والأمن المائي والبيئي، والابتكار التكنولوجي. إنها مقاربة تقر بالخصوصية السياسية والوطنية لكل دولة، لكنها تستثمر في الجذور المشتركة كرافعة استراتيجية لضمان موقع متقدم في عالم محكوم بالتكتلات القوية والمجتمعات الحية.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)