بعد سنوات من الغياب: المحكمة العسكرية توافق على إخلاء سبيل فضل شاكر مقابل كفالات مالية


هذا الخبر بعنوان "بي بي سي : موافقة على إخلاء سبيل فضل شاكر .. كيف بدأت القصة وأين وصلت؟" نشر أولاً على موقع aksalser.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أصدرت المحكمة العسكرية الدائمة في لبنان، برئاسة العميد وسيم فياض، قراراً بالموافقة على تخلية سبيل الفنان فضل شاكر في أربع قضايا أمنية مقامة ضده، أبرزها ملف عبرا. وبحسب ما نقلته الوكالة الوطنية للإعلام، فقد قررت المحكمة إخلاء سبيله في ثلاث قضايا مقابل كفالة مالية قدرها مئة مليون ليرة لبنانية عن كل ملف، وكفالة بقيمة مئتي مليون ليرة في ملف عبرا.
وقد عُرض الملف على مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الذي وافق على تخلية سبيله في القضايا الثلاث، بينما لا يزال يدرس ملف عبرا لجهة إمكانية استئناف القرار من عدمه. ويمثل هذا التطور محطة جديدة في قضية شاكر التي بدأت مع أحداث عبرا عام 2013، وشهدت سنوات من الاختباء في مخيم عين الحلوة، ثم عودة فنية من خلف الجدران، قبل أن يسلم نفسه للقضاء.
تعود جذور القصة إلى ما قبل عقد من الزمان، حين ابتعد فضل شاكر عن صورة المغني الرومانسي الذي اشتهر به، واقترب من رجل الدين السني اللبناني الشيخ أحمد الأسير، الذي برز في صيدا بخطاب حاد ضد حزب الله. أصبح شاكر مطلوباً بعد المواجهة الدامية بين الجيش اللبناني وأنصار الأسير في عبرا عام 2013. وعلى مدى السنوات التالية، بقي اسمه عالقاً في قضية مفتوحة، حيث أمضى فترة طويلة داخل مخيم عين الحلوة، عاد خلالها تدريجياً إلى الغناء من داخل المخيم، قبل أن يسلم نفسه في لحظة أعادت ملفه إلى الواجهة، عند تقاطع الأمن والسياسة والفن والإعلام.
يأتي قرار إخلاء سبيل فضل شاكر بعد أشهر من إعادة فتح ملفه أمام المحكمة العسكرية، الجهة القضائية المختصة في لبنان بقضايا الجيش والأمن. وشهدت جلسات المحكمة استماعاً لإفادات عسكرية وقضائية جديدة تتعلق بأحداث عبرا. وتعود أحداث عبرا إلى عام 2013، حيث اندلعت مواجهة مسلحة في هذه المنطقة قرب مدينة صيدا جنوبي لبنان بين الجيش اللبناني وأنصار الشيخ أحمد الأسير.
استند طلب إخلاء السبيل إلى عاملين رئيسيين: الأول قانوني، ويتعلق بإفادات ضباط سابقين في الجيش اللبناني لم تثبت، وفقاً للوكالة الوطنية للإعلام، مشاركة شاكر في القتال ضد الجيش، أو حمله السلاح، أو تمويله مجموعة الأسير. أما العامل الثاني فطبي، بعد تدهور وضعه الصحي ونقله إلى المستشفى العسكري، وسط تقارير عن مضاعفات مرتبطة بالسكري والنظر وانسداد بعض الشرايين.
يسمح القرار بخروج شاكر من السجن في حال تنفيذه، مع استمرار ملاحقته في ملفات أمنية مرتبطة بأحداث عبرا وما تلاها، وهو ما ينفي صلته به عبر وكلائه القانونيين، خصوصاً المشاركة في إطلاق النار على الجيش أو دعم جماعات مسلحة. وكانت محكمة الجنايات في بيروت قد برّأته في أيار/مايو الماضي من دعوى محاولة قتل هلال حمود، المسؤول المحلي في “سرايا المقاومة” في صيدا، غير أن الحكم اقتصر على هذا الملف، وبقيت قضايا أخرى مفتوحة أمام المحكمة العسكرية.
قبل أن يرتبط اسمه بالملفات الأمنية، كان فضل شاكر أحد أبرز الأصوات الرومانسية في العالم العربي، لمع اسمه منذ التسعينيات وارتبطت أغنياته بمرحلة كاملة من الغناء العاطفي العربي. في عام 2012، أعلن اعتزال الفن واتجه إلى التدين، في وقت كان لبنان يعيش توتراً سياسياً وطائفياً عميقاً زادته الحرب السورية تعقيداً. وبرز الشيخ أحمد الأسير في صيدا بخطاب ديني وسياسي حاد مناهض لحزب الله والنظام السوري، مستقطباً شريحة من المؤيدين. اقترب شاكر من الأسير وظهر إلى جانبه في أنشطة دينية وسياسية، وصدرت عنه مواقف وتصريحات أثارت غضب خصومه، خصوصاً بعد انتشار مقاطع مصورة اعتُبرت مسيئة لعناصر الجيش اللبناني. يقول شاكر لاحقاً إن بعض تلك المقاطع استُخدم خارج سياقه.
في حزيران/يونيو 2013، تحولت العلاقة المتوترة بين مجموعة الأسير والجيش إلى مواجهة مفتوحة في منطقة عبرا قرب صيدا، بعد هجوم على حاجز عسكري. انتهت المعركة بسيطرة الجيش على مجمع كان يستخدمه الأسير وأنصاره، بعد سقوط قتلى من العسكريين والمسلحين. منذ تلك اللحظة، تغيرت حياة فضل شاكر بالكامل، فبعد أن كان أحد أبرز نجوم الأغنية العربية، صار جزءاً من ملف أمني وقضائي شائك. حوكم غيابياً وصدرت بحقه أحكام بالسجن في قضايا مرتبطة بالتدخل في أعمال إرهابية وتمويل أو دعم جماعات مسلحة، بينما ظل يكرر أنه لم يقاتل ولم يطلق النار على الجيش.
بعد معركة عبرا، دخل فضل شاكر مخيم عين الحلوة، أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وللمخيم وضع أمني خاص، حيث لا ينتشر الجيش اللبناني داخله. أمضى شاكر في المخيم أكثر من اثني عشر عاماً، غاب في بداياتها عن الحياة العامة، لكن اسمه بقي حاضراً في الجدل اللبناني. ومع الوقت، خفف شاكر من مواقفه السياسية الحادة، وعاد تدريجياً إلى الغناء من داخل المخيم بأعمال حقق بعضها انتشاراً واسعاً على المنصات الرقمية. وشارك ابنه محمد في هذه العودة، في محاولة لإعادة تقديمه إلى جمهور عربي بقي منقسماً حول ماضيه. ثم جاء وثائقي “يا غايب” ليعيد تقديم القصة من زاوية شاكر نفسه، كفنان يقول إنه أخطأ في السياسة، لكنه لم يشارك في قتل عسكريين لبنانيين. واعتبر مؤيدوه محاولة لإنصافه، فيما اعتبره منتقدوه سعياً لإعادة تلميعه قبل مثوله الكامل أمام القضاء.
في مساء الرابع من تشرين الأول/أكتوبر 2025، خرج فضل شاكر من مخيم عين الحلوة وسلّم نفسه لمخابرات الجيش اللبناني. وبحسب مصادر مطلعة على الملف، شعر شاكر بتزايد الضغوط الأمنية في عين الحلوة، وسط توترات متكررة داخل المخيم واعتراض جماعات متشددة على عودته إلى الغناء. بالتوازي، كانت اتصالات سياسية وأمنية تجري لإقناعه بأن تسليم نفسه يفتح الباب أمام محاكمة وجاهية تتيح إسقاط مفاعيل الأحكام الغيابية السابقة.
في جلسة مفصلية أمام المحكمة العسكرية، استمعت المحكمة إلى إفادات ثلاثة ضباط متقاعدين في الجيش اللبناني، هم العميد علي شحرور، والعميد محمد الحسيني، والعميد ممدوح صعب. وتقاطعت إفادات الضباط عند نقطة أساسية: أن المعطيات والتقارير التي كانت متوافرة لدى الجيش في تلك المرحلة لم تثبت مشاركة شاكر في القتال ضد الجيش، أو حمله السلاح، أو امتلاكه مجموعة مسلحة، أو تمويله الشيخ أحمد الأسير. كما أُفيد بأن شاكر كان، قبل اندلاع المواجهات، على تواصل مع الجيش بهدف تسوية أوضاع بعض مرافقيه وتسليم أسلحة فردية. وقال أحد الضباط إن قيادة الجيش كانت تعمل على “فك ارتباط” شاكر بالأسير قبل أن تندلع المعركة.
إلى جانب ذلك، دخل العامل الصحي على خط الملف. فقد تعذّر نقله إلى إحدى جلسات المحكمة بسبب تدهور وضعه، ونُقل إلى المستشفى العسكري، وسط حديث عن حاجته إلى متابعة طبية مستمرة. وقد عزز ذلك طلبات إخلاء السبيل، خصوصاً إذا رأت المحكمة أن استمرار توقيفه لم يعد ضرورياً في هذه المرحلة من المحاكمة.
ورغم التطورات القضائية، تبقى قضية فضل شاكر “جرحاً مفتوحاً” لدى عائلات العسكريين الذين قُتلوا في معركة عبرا. فبالنسبة إليهم، لا يُختزل الملف في إفادات قانونية أو عودة فنية أو وثائقي تلفزيوني. فقد تركت المعركة أثراً عميقاً داخل المؤسسة العسكرية وبين ذوي القتلى، وظلت تصريحات شاكر السابقة حاضرة في ذاكرة من رأوا فيها جزءاً من مناخ حرّض على الجيش. وتقول عائلات عسكريين إن العدالة لا تعني الانتقام، لكنها لا تعني أيضاً تحويل شاكر إلى ضحية أو طي الصفحة عبر عودته إلى إطلاق أعمال غنائية رائجة.
في المقابل، يرى مؤيدوه أنه دفع ثمناً طويلاً لاختيارات سياسية خاطئة، وأن تسليم نفسه يؤكد رغبته في تسوية وضعه قانونياً. ومن هنا تأتي حساسية القرار. فإخلاء السبيل، ولو استند إلى اعتبارات قانونية أو صحية، لا يُنهي الجدل حوله، في بلد تتداخل فيه الذاكرة الطائفية مع القضاء، وتتحول فيه الملفات الفردية أحياناً إلى مرآة لانقسامات أوسع.
يفتح إخلاء سبيل فضل شاكر فصلاً جديداً في قضيته، ويضعه أمام مرحلة مختلفة عن سنوات المخيم والسجن. فالمحاكمة قد تستمر، وقد تُفرض عليه إجراءات مرتبطة بحضور الجلسات أو التحرك أو السفر، وفق منطوق القرار وما تقرره السلطات القضائية. فنياً، تبدو العودة مهيأة: جمهورٌ تابع أعماله الأخيرة، وشركات إنتاج عربية أبدت استعداداً للاستثمار في صوته من جديد. وستبقى العودة إلى المسرح مرتبطة بمآل القضية، وبقدرته على إقناع الرأي العام بأن ملف عبرا عولج قضائياً، لا عبر الصورة الإعلامية وحدها، إلى جانب حالته الصحية. وسيكون الاختبار الأهم في الأحكام الوجاهية المنتظرة. فإذا لم تثبت المحكمة مشاركته في القتال أو التمويل، يكون شاكر قد تجاوز أثقل فصول قضيته. أما إذا خلصت إلى مسؤولية ثابتة عليه، فقد يواجه أحكاماً جديدة، حتى وهو خارج السجن. وبين القضاء والفن والذاكرة اللبنانية، تبقى قصة فضل شاكر واحدة من أكثر القصص العربية تعقيداً: فنان صعد بصوته إلى قمة الغناء الرومانسي، ثم سقط في أحد أكثر ملفات لبنان حساسية، قبل أن يعود إلى القضاء من باب المخيم، وإلى جمهوره من باب الأغنية، وإلى الحرية بقرار يفتح فصلاً جديداً في الحكاية. (BBC)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة