الحسكة تفقد أبناءها: هجرة متزايدة من الحقول إلى المجهول بسبب البطالة وتدهور الخدمات


هذا الخبر بعنوان "من الحقول إلى طرق الرحيل.. كيف تخسر الحسكة أبناءها؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد المناطق الجنوبية والغربية لمحافظة الحسكة، من أرياف جبل عبد العزيز وصولًا إلى بلدتي الشدادي والمركدة، نزوحًا متزايدًا للسكان نحو محافظات سورية أخرى. ويعزو السكان هذه الظاهرة إلى ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية.
أكد سكان من قرى وبلدات المنطقة، في تصريحات لـ عنب بلدي، أن الظروف الاقتصادية القاسية دفعت أعدادًا متزايدة من الشباب إلى مغادرة مناطقهم. يتجه البعض إلى مدن سورية أخرى للعمل في الزراعة والأعمال الحرة، بينما يختار آخرون الهجرة خارج البلاد بحثًا عن دخل يعينهم على إعالة أسرهم.
تعتمد مناطق واسعة من ريف الحسكة الجنوبي والغربي على النشاط الزراعي وتربية المواشي. إلا أن الأهالي يشيرون إلى أن تراجع فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف الخدمات الأساسية، جعلت من تأمين مصدر دخل ثابت تحديًا يوميًا للعائلات.
قال أحمد العبد الله، من قرية الخمائل جنوب الحسكة، إن قلة فرص العمل تمثل أبرز المشكلات التي تواجه سكان المنطقة، مشيرًا إلى أن العديد من الشباب لم يعودوا يجدون خيارات للبقاء في قراهم. وأضاف العبد الله لـ عنب بلدي: “الشاب الذي لا يجد عملًا هنا يضطر للبحث عن فرصة في مكان آخر، حتى لو كان ذلك يعني ترك أهله ومنطقته”. وأوضح أن الهجرة أصبحت خيارًا مطروحًا لدى العديد من العائلات بسبب صعوبة تأمين الاحتياجات اليومية. كما انعكس تراجع الحركة الاقتصادية على مختلف القطاعات، إذ لم تعد الأعمال الزراعية وحدها قادرة على توفير دخل كافٍ للسكان، في ظل ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي وتكاليف المعيشة.
من جانبه، قال جاسم العبود، من بلدة العريشة جنوب الحسكة، إن المنطقة تعاني من نقص واضح في فرص العمل، وأن الشباب هم الفئة الأكثر تأثرًا بهذه الظروف. وأضاف العبود أن عددًا من أسر المنطقة توجهت للعمل في محافظات سورية أخرى، لا سيما في الأعمال الزراعية والمهن الحرة، بحثًا عن دخل أفضل. في حين اختار آخرون السفر إلى لبنان للعمل رغم الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة التي يمر بها البلد. وأشار إلى أن استمرار هذا الواقع “يؤثر على القرى”، إذ تغادر أعداد من الشباب بشكل متواصل، مما يترك أثرًا على الأسر التي تعتمد على أبنائها في تأمين المصاريف اليومية.
إلى جانب نقص فرص العمل، تحدث الأهالي عن تراجع مستوى الخدمات الأساسية في المنطقة، مما زاد من صعوبة الحياة اليومية ودفع مزيدًا من السكان إلى البحث عن بدائل خارج مناطقهم. وقال محمد الأحمد، من قرية كشكش جنوب الشدادي، إن الأهالي يواجهون ارتفاعًا في أسعار الخبز، وانقطاعًا متكررًا للكهرباء، ونقصًا في المحروقات وارتفاعًا في أسعارها، وهي عوامل انعكست بشكل مباشر على حياة السكان. وأضاف الأحمد أن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف زاد من معاناة الأهالي، في ظل صعوبة تأمين الكهرباء لتشغيل وسائل التبريد، فضلًا عن ارتفاع تكاليف الوقود المستخدم في بعض الأنشطة اليومية. وأشار إلى أن العديد من الأسر أصبحت تعتمد على سفر أحد أفرادها للعمل خارج المنطقة، بهدف تأمين المصاريف الأساسية، في وقت لا تزال فيه فرص الاستثمار أو المشاريع التي توفر فرص عمل محدودة.
يقول سكان المنطقة إن امتلاك محافظة الحسكة موارد زراعية وثروات طبيعية لم ينعكس بشكل كافٍ على واقع السكان، الذين يعانون من صعوبات اقتصادية متزايدة.
بحسب السكان الذين قابلتهم عنب بلدي، تختلف وجهات الهجرة بين أبناء المنطقة. يتجه بعضهم إلى المحافظات السورية التي تتوفر فيها فرص عمل موسمية، خاصة في القطاع الزراعي، بينما يحاول آخرون الوصول إلى خارج سوريا. العمل في الزراعة يبقى من أكثر الخيارات المتاحة أمام أبناء الريف، إلا أنه يرتبط بالمواسم ولا يوفر دخلًا ثابتًا طوال العام. ولذلك، يتوجه عدد من الشباب إلى لبنان خلال الفترة الأخيرة، رغم الظروف التي يمر بها البلد، بسبب اعتقادهم بوجود فرص عمل تساعدهم على تحسين أوضاع أسرهم.
قال فوزي النجم، الخبير في الشأن الاقتصادي، إن الحد من هجرة الشباب من المنطقة يتطلب إجراءات عملية تهدف إلى توفير فرص العمل وتحسين الظروف المعيشية. وأضاف النجم أن معالجة المشكلة لا تقتصر على توفير وظائف مباشرة، بل تشمل أيضًا تحسين البيئة الاقتصادية والخدمية، ودعم القطاعات الإنتاجية التي تعتمد عليها المنطقة، وعلى رأسها الزراعة. وأشار إلى أن استمرار ضعف الخدمات وارتفاع تكاليف المعيشة يزيد من الضغوط على السكان، ويدفع الشباب إلى البحث عن مصادر دخل خارج مناطقهم. وطالب باتخاذ خطوات تسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي، وتوفير فرص عمل للشباب، بما يساعد على تقليل حركة النزوح الاقتصادي التي تشهدها بعض مناطق المحافظة.
تأتي هذه الظروف الاقتصادية في وقت تشهد فيه سوريا أزمات إنسانية متراكمة أثرت على قدرة السكان على تأمين احتياجاتهم الأساسية. وقال صندوق الأمم المتحدة للسكان إن نحو 1.2 مليون شخص في سوريا بحاجة إلى مساعدات عاجلة، بينهم 295 ألف امرأة في سن الإنجاب، نتيجة أزمات إنسانية متزامنة منذ بداية عام 2026. وأوضح الصندوق في تقرير يغطي الفترة بين 1 من أيار و30 من حزيران 2026، أن الأعمال القتالية السابقة في حلب وشمال شرقي سوريا، والفيضانات الشديدة على امتداد نهر الفرات، إضافة إلى تدفق أكثر من 460 ألف شخص من لبنان، زادت الضغوط على الخدمات العامة. ورفع الصندوق قيمة النداء الطارئ المخصص لحلب وشمال شرقي سوريا إلى 7.5 ملايين دولار، لكنه أوضح أن التمويل المتوفر حتى حزيران بلغ 36% فقط من المبلغ المطلوب.
شهدت محافظة الحسكة في مطلع عام 2026 تغيرات ميدانية تمثلت بسيطرة الجيش السوري على الأرياف الجنوبية والشرقية وجزء من الأرياف الغربية، في حين انكفأت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) إلى المدن الكبرى في المحافظة، ومنها الحسكة والقامشلي. وأدى ذلك إلى نشوء واقع جديد في إدارة المناطق، مع استمرار الترتيبات المرتبطة باتفاق 29 كانون الثاني بين الحكومة السورية و”قسد”، والذي نص على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية في المحافظة ضمن الهياكل الوزارية الحكومية. وبدأت عملية الدمج بشكل تدريجي منذ شباط الماضي، وسط استمرار تحديات اقتصادية وخدمية تواجه السكان في مناطق عدة من المحافظة، ومنها المناطق الريفية الواقعة جنوب الحسكة وغربها.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد