زيارة ماكرون إلى دمشق: هل تفتح سوريا أبواب الاستثمار مجددًا؟


هذا الخبر بعنوان "ما بعد زيارة ماكرون… هل بدأت سوريا استعادة موقعها على خريطة الاستثمار؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا تقتصر أهمية الزيارات الرسمية على الجوانب البروتوكولية فحسب، بل تمتد لتشمل الرسائل التي توجهها إلى المستثمرين والأسواق. فعندما يزور رئيس دولة بحجم فرنسا العاصمة دمشق، برفقة وفد من رجال الأعمال، وتُبرم اتفاقيات في قطاعات حيوية كالطيران والطاقة والتعاون المالي، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق بما حدث في تلك اللحظة، بل بما يمكن أن يُبنى على تلك التطورات. هذا هو المنظور الذي يجب اعتماده عند تقييم هذه الزيارة.
الاقتصاد العالمي لا يعتمد على الشعارات، بل على الثقة، والثقة لا تُبنى بقرار واحد، بل بتراكم خطوات مدروسة تمنح المستثمر إشارة واضحة بوجود اقتصاد يستعيد عافيته، ومؤسسات عاملة، ودولة تسعى نحو الاستقرار وبناء بيئة جاذبة لرؤوس الأموال. من خلال تجربتي في القطاع التجاري وعضويتي في مجلس إدارة غرفة تجارة ريف دمشق، ألاحظ تغيراً ملحوظاً في طبيعة النقاشات مع المستثمرين ورجال الأعمال. فبعد أن كان التركيز سابقاً ينصب على حجم المخاطر، أصبح الحديث اليوم يدور حول القطاعات الواعدة، وفرص الشراكة الممكنة، وآليات الدخول إلى السوق السورية في المرحلة القادمة. هذا التحول في طريقة التفكير يُعد بحد ذاته مؤشراً اقتصادياً مهماً يستحق التوقف عنده.
لقد حاول الصراع أن يعزل سوريا اقتصادياً عن محيطها، وأن يدمر البنية التحتية للتجارة والصناعة والاستثمار. إلا أن التجارب الدولية تؤكد أن الاقتصادات التي تتمتع بموقع جغرافي استثنائي، ورأس مال بشري مؤهل، وقطاع خاص قادر على الإنتاج، يمكنها استعادة مسار النمو متى توفرت الرؤية والإدارة السليمة. وسوريا تمتلك هذه المقومات؛ فهي ليست مجرد سوق محلية، بل تمثل عقدة جغرافية تربط بين الخليج العربي وبلاد الشام وشرق المتوسط، وتشكل ممراً طبيعياً للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية. وفي ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد عالمياً، تصبح هذه الميزة عاملاً اقتصادياً لا يمكن تجاهله.
لكن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي؛ فالمستثمرون يبحثون أيضاً عن تشريعات مستقرة، وإجراءات واضحة، وتمويل كافٍ لمواكبة المشاريع، وقضاء تجاري فعال، وبنية تحتية حديثة. وإذا تمكنا من استكمال هذه المنظومة، فإن عملية إعادة الإعمار لن تقتصر على ترميم ما دمرته الحرب، بل ستتحول إلى فرصة لإعادة بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وإنتاجية وقدرة على المنافسة.
ولا ينبغي النظر إلى الاتفاقيات الموقعة خلال الزيارة الفرنسية كإنجازات نهائية، بل كبداية لمسار طويل. فالاقتصاد يقاس بنجاحه في تحويل هذه الاتفاقيات إلى مصانع عاملة، وخطوط إنتاج نشطة، وشركات مستثمرة، وفرص عمل جديدة، وصادرات متنامية، وليس بعدد الوثائق الموقعة. تقع المسؤولية اليوم على عاتق الحكومة والقطاع الخاص معاً، وتتطلب شراكة حقيقية؛ فالدول التي نجحت في إعادة بناء اقتصاداتها بعد الأزمات لم تعتمد على طرف واحد، بل على تكامل الأدوار بين الدولة والمستثمر والمؤسسات المالية والقطاع الإنتاجي.
ما يبعث على التفاؤل هو أن سوريا تدخل هذه المرحلة بخبرات صناعية وتجارية تراكمت عبر عقود، وقطاع خاص أثبت قدرته على الصمود رغم أصعب الظروف. وستكون هذه الخبرة عنصراً حاسماً في النجاح المستقبلي إذا أحسنّا توظيفها ضمن رؤية اقتصادية واضحة. قد لا تغير زيارة واحدة المشهد الاقتصادي بالكامل، لكنها قد تكون الشرارة الأولى لتغيير نظرة العالم إلى سوريا، ولتغيير نظرة سوريا إلى نفسها. فالاقتصاد يعلمنا أن الفرص العظيمة تبدأ بخطوة، ثم تتحول إلى واقع مع مرور الوقت، بتوفر الإرادة واستمرار العمل وترسيخ الثقة. المرحلة القادمة يجب أن تكون مرحلة اقتصاد وإنتاج وتنافسية؛ فالدول تُبنى اليوم بقدرتها على جذب الاستثمار، وتطوير الصناعة، وفتح الأسواق، وتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة اقتصادية حقيقية. تمتلك سوريا كل المقومات لتكون شريكاً فاعلاً في اقتصاد المنطقة، شريطة استمرار وتيرة الإصلاح والعمل بالمستوى الذي تتطلبه هذه المرحلة (موقع:أخبار سوريا الوطن).
سياسة
اقتصاد
سوريا محلي
اقتصاد