اتفاق لبناني-إسرائيلي غامض: الأمن أولاً أم استمرار الاحتلال؟


هذا الخبر بعنوان "الامتثال الأمني والمنطق المعكوس في الاتفاق اللبناني- الإسرائيلي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في أعقاب توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وما تبعها من توتر إسرائيلي وخفض للتصعيد، وتجميد للحرب على إيران، تعهدت واشنطن بمنع الاعتداء على طهران وحليفها في لبنان، حزب الله، بالإضافة إلى تمكينها من بيع نفطها واستعادة أموالها المحتجزة، وخطط لإعادة إعمارها وتنمية اقتصادها بقيمة لا تقل عن 300 مليار دولار. في هذا السياق، وقعت إسرائيل اتفاقًا إطاريًا مع لبنان، لا يشترط انسحابها من الأراضي المحتلة إلا بعد تحققها من قيام الجيش اللبناني بنزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، وتحديداً حزب الله، وتفكيك بنيتها في كافة أنحاء لبنان، بدءًا بمناطق تجريبية يحددها الاحتلال. ورغم إدراك جميع الأطراف لعجز الحكومة اللبنانية عن نزع سلاح الحزب، مما قد يؤدي إلى بقاء الاحتلال لأجل غير مسمى وزيادة الانقسام والتوتر السياسي والأهلي، وتمسك الحزب بسلاحه، فقد حدد الاتفاق أول ثلاث مناطق تجريبية للانسحاب منها، تبين لاحقًا أنها غير محتلة.
يعكس المنطق المعكوس في الاتفاق الإطاري محاولة لنزع الملف اللبناني من يد طهران، خاصة بعد ذكر لبنان ثلاث مرات في البند الأول من الاتفاق الأمريكي-الإيراني. سعت الحكومة اللبنانية للتفاوض عن نفسها وأبدت عزمها على نزع سلاح حزب الله واحتكار الدولة للقوة وقرار السلم والحرب. إلا أن الاتفاق أبرم، محولاً السيادة من حق أصيل إلى امتياز يمنحه الاحتلال تدريجيًا بعد إثبات حسن السلوك الأمني. هذا التحول يقلب المشكلة رأسًا على عقب، فبدلاً من حق الدول في إنهاء الاحتلال كجذر للمسألة، أصبح الأمر مرتبطًا بقصور الدولة اللبنانية عن ضبط الأمن لمصلحة المستوطنين في الأراضي المحتلة. يُعد هذا التحول محورًا أساسيًا في النقد "الديكولونيالي" للاتفاقات غير المتكافئة، وخطاب الأمن الذي يوظف لإضفاء الشرعية على ديناميات الاستعمار.
خلا الاتفاق من جدول زمني لانسحاب الاحتلال من الأراضي اللبنانية، حيث أصبح مرهونًا بنزع السلاح و"تطهير المنطقة"، ثم "التحقق من التطهير" كما ورد في الملحق الأمني السري للاتفاق، الذي سربته إسرائيل. واستعاض نص الاتفاق عن عبارة "انسحاب" الجيش الإسرائيلي بـ"إعادة انتشار تدريجي" لقواته. كما أن طرح مبدأ "المناطق التجريبية" كنهج أمني، حيث لا تُستعاد السيادة على الأرض دفعة واحدة، بل تُقسم إلى وحدات جغرافية يختبرها الاحتلال تباعًا، سيحول الدولة ومؤسساتها إلى موضوع لتقييم أدائها. وبذلك، لم يعد الانسحاب التزامًا قانونيًا قائمًا بذاته، بل نتيجة لعمليات أمنية.
ربط الاتفاق الإطاري حقوق المدنيين وعودتهم إلى الجنوب وإعادة الإعمار، بالمسار الأمني المتدرج، الذي يبدأ من "نجاح" عملية نزع سلاح الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة وتفكيك بنيتها التحتية في المناطق التجريبية. عندئذ، يعيد الاحتلال انتشاره بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني وتوليه الأمن في تلك المناطق، لتبدأ إعادة الإعمار بجهد دولي، وفي المرحلة الأخيرة، يعود المدنيون المهجرون إلى مناطقهم. يصف الاتفاق الحرب أو الصراع مع إسرائيل بأنها أزمة احتكار داخلي للقوة العسكرية في لبنان، لا علاقة استعمار ومُستَعمر، ويقدم السيادة كمفهوم أمني من خلال قدرة الدولة على احتكار القوة وتحقيق أمن المستوطنات الشمالية.
من جهة أخرى، يقدم البند الخامس مساحة تفسيرية، من وجهة النظر الإسرائيلية، بأن احتلالها وعملياتها العسكرية في لبنان ليست بسبب أطماعها، بل بسبب هجمات وتهديدات و"نيات" عدائية من الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة. أما المادة الثامنة، فتضع أمن لبنان وإسرائيل، وأهالي جنوبي لبنان وسكان المستوطنات الإسرائيلية الشمالية بلغة متماثلة، خارج السياق التاريخي والسياسي الاستعماري، وتحجب جرائم حرب الاحتلال بصورة تامة. ويضع البند التاسع لبنان تحت نظام مراقبة لـ"تنفيذ برنامج صارم قائم على الأداء"، وينشئ نظام مساءلة من طرف واحد، ويربط الامتثال المشروط بالمساعدات الأمريكية، التي تقدم كأداة تحفيز وعقاب في آن واحد. يعاد تعريف الاتفاق من اتفاق سياسي إلى منطق الحوكمة الأمنية المشروطة، باستخدام عبارات شائعة في برامج إصلاح القطاع الأمني وبناء مؤسسات الدولة المدعومة دوليًا.
يمثل البند العاشر الشق الاقتصادي للاتفاق دون التزام قانوني ملزم في إعادة الإعمار وإنعاش الاقتصاد، بصياغات عامة وفضفاضة. كما يربط الاتفاق التعافي الاقتصادي بالتحقق من الامتثال الأمني، لا بمسؤولية قانونية تقع على الاحتلال الذي سبب الدمار. وتُخضع المادة الـ11 الأموال وأموال إعادة الإعمار إلى اعتبارات أمنية، وتُلزم لبنان والولايات المتحدة بعدم وصولها إلى أي جماعة مسلحة غير تابعة للدولة، وبحظر جميع أنشطتها، مما قد يطال مجتمعات بأكملها.
يقدم البند الـ12 الهدف النهائي للاتفاق ليكون عملية سياسية مفتوحة تقضي بإنشاء مجموعات في لبنان وإسرائيل تُعِد "اتفاقًا شاملًا للسلام والأمن"، يقدم فيه "السلام" كحلقة أخيرة وثمرة للامتثال الأمني. ويعيد البند الـ13 ضبط وإعادة تشكيل الدور القانوني والدبلوماسي الخارجي للبنان، ويضمن "وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية"، وهو مساس بحقوق التقاضي ضد جرائم الحرب التي ارتكبها الاحتلال، وإخلال بالحقوق المنصوص عليها في القانون الدولي.
ختامًا، اختفت سردية الاستعمار من الاتفاق الإطاري، واستعيض عنها بعبارات مثل: "النزاع"، "حسن الجوار"، "السلام"، "الأمن". كما أن بنيان الاتفاق وملحقه جعلا من أمن الاحتلال معيارًا حاكمًا لمراحل التنفيذ وتدرجه. واستنادًا إلى ما سبق والواقع الحالي، تستمر عمليات الاحتلال العسكرية وانتهاكاته وجرائمه بالقدر الذي لا يؤثر فيه على خفض التصعيد بين واشنطن وطهران، إن استمر العمل بمذكرة التفاهم، ويستطيع نتنياهو توظيف الحرب في الانتخابات المقبلة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة