من رماد الحرب إلى إبداع السلام: نحّاسو دمشق يحوّلون قذائف المدفعية إلى فن ينبض بالحياة


هذا الخبر بعنوان "“أمل من الألم”.. نحاسون بدمشق يحولون أدوات الحرب إلى رموز للجمال" نشر أولاً على موقع aksalser.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في قلب العاصمة السورية دمشق، تتجسد قصة أمل فريدة من نوعها داخل ورش صناعة النحاس، حيث تُعاد الحياة إلى أغلفة قذائف المدفعية التي كانت يومًا رمزًا للدمار والحرب. بعض هذه الأغلفة يعود تاريخه إلى الحرب العالمية الثانية، لكنها اليوم تتحول إلى أعمال فنية تحمل رسائل سلام وأمل، في مسعى نبيل لتحويل ذكريات الألم إلى مساحة للتأمل في الحياة والمستقبل. هذا التحول الفني يستند إلى إرث عريق في صناعة النحاس، وهي حرفة تقليدية أصيلة في دمشق تشكل جزءًا لا يتجزأ من هويتها الثقافية. ازدهرت هذه الحرفة بشكل خاص خلال العهدين المملوكي والعثماني، واكتسبت شهرة واسعة في الأسواق التاريخية، أبرزها سوق الحميدية، حيث لا تزال الورش تحافظ على هذا الإرث الممتد عبر قرون.
من قذيفة إلى تحفة فنية
يقول الحرفي أنس المصري، الذي تعلم المهنة على يد والده ويمارس فن الحفر والنقش على النحاس منذ حوالي 25 عامًا، للأناضول: "عائلتنا كانت تعمل سابقًا داخل سوق الحميدية، قبل أن ننتقل إلى منطقة باب الجابية". وأوضح أنه في السنوات الأخيرة، بدأ في استخدام أغلفة قذائف المدفعية القديمة في أعماله الفنية، مشيرًا إلى أن إنجاز القطعة الواحدة يستغرق نحو أسبوع. وتتضمن أعماله زخارف مستوحاة من ياسمين دمشق، ونقوشًا نباتية، وآيات قرآنية، ونماذج من الخط العربي، بالإضافة إلى الزخارف التقليدية التي اشتهرت بها المدينة. يعترف المصري بأن العمل على أغلفة القذائف يثير لديه مشاعر متناقضة: "أشعر بالحزن عندما أعمل على غلاف قذيفة، لأنها كانت في يوم من الأيام أداة استخدمت للقتل وإحداث الدمار". ولكنه يضيف: "أما اليوم فأحاول تحويلها إلى عمل فني يساعد الناس على تجاوز الذكريات المؤلمة كلما نظروا إليه". ويؤكد أن هذه الأغلفة، التي استُخدمت في الماضي لاستهداف المدنيين، أصبحت اليوم تحمل رسالة مختلفة: "نريد أن يرى الناس فيها الجمال والحياة، لا الموت والخراب".
بث الأمل في النفوس
الرسالة الأساسية التي يسعى المصري لإيصالها من خلال هذه الأعمال هي نشر السلام. "رسالتي هي السلام. فأهالي دمشق، والسوريون جميعًا، يحبون السلام أينما كانوا، ونتمنى أن يسود السلام العالم كله"، كما يقول. الأعمال التي ينجزها لا تهدف إلى محو ذاكرة الحرب، فآثارها الإنسانية لا يمكن نسيانها، بل تسعى إلى مساعدة الناس على التطلع إلى المستقبل بروح أكثر تفاؤلاً. "نحاول أن نقدم للناس شيئًا يمنحهم الأمل. فآلام الحرب لا تزول، وجراحها تبقى في القلوب، لكننا نسعى من خلال أعمالنا إلى غرس الأمل في النفوس". ويهدف هذا الفن إلى إضفاء معنى جديد على مخلفات الحرب، مؤكدًا أن "الإنسان قادر على تجاوز معاناته وبناء مستقبل أفضل".
فكرة متجددة بتراث عريق
من جانبه، يوضح الحرفي باسل بقبو، الذي ورث المهنة عن والده وجده، أن صناعة النحاس من أقدم الحرف التقليدية في سوريا. لم تعد المهنة تقتصر على صناعة الدلال النحاسية وأباريق القهوة والمواقد التقليدية، بل توسعت لتشمل جمع القطع الأثرية وترميمها وإعادة زخرفتها. الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها سوريا خلال سنوات الحرب دفعت العديد من الأسر إلى بيع مقتنياتها القديمة، مما أتاح للحرفيين اقتناء قطع أثرية وتحف تاريخية، بالإضافة إلى أغلفة قذائف قديمة يعود بعضها إلى الحرب العالمية الثانية. يؤكد بقبو أنهم لا ينظرون إلى هذه القطع كمنتجات تجارية فحسب، بل "شهود صامتون على الماضي، وكل قطعة نحافظ عليها تمثل جزءًا من التراث الثقافي الذي ينبغي نقله إلى الأجيال القادمة". ورشته تضم قطعًا نحاسية تعود إلى العهد العثماني يتجاوز عمر بعضها 250 عامًا. ويشير بقبو إلى أن فكرة إعادة توظيف أغلفة القذائف في أعمال فنية ليست جديدة في سوريا، بل مارسها حرفيون من أجيال سابقة. ويختتم قائلاً: "نحن لا نسعى إلى تجميل الحرب أو الدمار، بل نحاول تحويل شيء كان يرمز إلى الموت والألم إلى رمز للجمال والحياة. نريد أن نثبت أن الأمل يمكن أن يولد حتى من قلب المعاناة".
ثقافة
اقتصاد
ثقافة
سياسة