المزارعون السوريون يكابدون خسائر فادحة وسط ارتفاع التكاليف وتدهور أسعار المحاصيل


هذا الخبر بعنوان "تكاليف الإنتاج تضغط على المزارعين في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يعاني المزارعون في مختلف أنحاء سوريا من أزمة معيشية حادة تهدد بقاءهم في القطاع الزراعي، حيث تتضاعف تكاليف الإنتاج من بذور وأسمدة وأدوية ومحروقات وأجور عمال، في حين تشهد أسعار المحاصيل في أسواق الجملة انخفاضًا حادًا لا يكفي لتغطية جزء بسيط من النفقات. تكشف شهادات مزارعين لـ"عنب بلدي" عن تفاصيل أزمة يومية تبدأ من الحقل وتنتهي عند بوابة السوق، وسط غياب شبه كامل للرقابة على أسواق الأدوية والمستلزمات الزراعية، وإغلاق شبه تام لمنافذ التصدير، مما يحول الزراعة من مصدر رزق إلى باب للدَّين والخسارة.
الأدوية والمبيدات.. غلاء دون فاعلية
يشير المزارع محمود الأجوة، من دوما بريف دمشق، إلى أن أكبر مشاكله تكمن في أسعار الأسمدة والأدوية غير المرخصة والمهربة من الأردن أو تركيا، والتي وصفها بالغالية الثمن وضعيفة الفاعلية للغاية، ولا تحمل أي ضمانات. ومع ذلك، يضطر لشرائها لعدم قدرته على تحمل تكاليف المواد الرسمية المصدقة من وزارة الزراعة.
وأوضح الأجوة أنه كان يخطط لرش محصول البطيخ الأحمر لديه، الذي يمتد على مساحة 35 دونمًا، بشكل وقائي لمكافحة مرض "اللفحة الصمغية". لكنه اضطر للجوء إلى المواد الأردنية التي يمكن للتاجر بيعها له بالدَّين، نظرًا لعجزه عن شراء المواد النظامية. وانتقد الأجوة الفوضى السعرية في الصيدليات الزراعية، حيث يختلف سعر الدواء الواحد بشكل كبير بين صيدلية وأخرى، في ظل غياب تام للرقابة.
وفي القنيطرة، يكشف المزارع ياسر السيد عن بعد آخر من الأزمة يتعلق بجودة المبيدات المتاحة. فقد قام برش محصول الخيار لمكافحة حشرتي "المن" و"التربس"، لكن المبيدات لم تعطِ أي نتيجة، واصفًا إياها بالأدوية الفاسدة.
المستلزمات بالدولار والبيع بالليرة
يؤكد المزارع محمود الأجوة أن غياب خطوط التصدير ورزنامة زراعية واضحة يزيد من تفاقم الأزمة. فأسواق الخليج والعراق والسعودية شبه مغلقة أمام المنتجات السورية، بينما تُباع المحاصيل بالليرة السورية، في حين ترتبط جميع تكاليف الإنتاج بالدولار، بدءًا من الأدوية والأسمدة وصولًا إلى السلف التي يحصل عليها من تجار سوق "الهال".
وأضاف أن التاجر لا يعدو كونه وسيطًا يتقاضى عمولة، لكنه يحرص على إرضاء جميع الأطراف إلا الفلاح. وروى موقفًا يتكرر معه باستمرار، حيث يخفض التاجر سعر المحصول عند إدراكه حاجة المزارع الملحة للنقود لتسديد أجور العمال أو فواتير الكهرباء، ليبيعه بسرعة ويقبض ثمنه بالعملة الصعبة.
في حماة، يوضح المزارع محمد المصري أن المشكلة تبدأ من ارتفاع تكلفة الإنتاج المرتبطة بموردي البذار والأدوية والأسمدة، ثم تمتد إلى سمسار سوق "الهال" وبائع المفرق، واصفًا هذا المسار بأنه حلقة متكاملة من الاستغلال على حساب المنتج الزراعي. وأضاف باختصار: "الجميع يحقق ربحًا معلومًا ومضمونًا، باستثناء المزارع الذي يبقى وحده عرضة للربح أو الخسارة".
التكاليف والعائد.. معادلة خاسرة
يشرح المزارع محمود الأجوة آلية العمل، ضاربًا مثالًا بالتكلفة الوسطية لزراعة دونم واحد من البطيخ، والتي تبلغ نحو 750 دولارًا. في المقابل، ينتج الدونم نحو سبعة أطنان، يُباع منها ستة أطنان صافية بسعر 7.5 ليرة سورية للكيلوغرام الواحد (0.056 دولار)، ليخلص إلى أن الدونم الواحد يخسر ما يزيد على 400 دولار.
وشدد على أن ارتفاع المحروقات له أثر كبير، خاصة على تكاليف النقل وأجور الحراثة ونقل البضاعة.
وفي القنيطرة، يشرح المزارع ياسر السيد تكاليف الإنتاج المتصاعدة، حيث بلغ سعر كيس السماد المتوازن زنة 25 كيلوغرامًا 10,000 ليرة سورية، وساعة الكهرباء بـ17 ليرة، وأجرة العامل 120 ليرة للساعة، فيما تبلغ أجرة "تركتور" الرش بخزان ألف ليتر نحو 3,000 ليرة للرشة الواحدة.
وأكد أن المتضرر الوحيد هو المزارع، أما التاجر فلا يتأثر لأنه يحصل على نسبة 8% على كل كيلوغرام يباع. ووصف السيد وضع الزراعة بأنه "سيئ"، ضاربًا مثلًا بأسعار الخيار التي بلغت 15 ليرة للكيلوغرام الواحد في سوق الزبلطاني بدمشق. وقارن هذا السعر المتدني بتكاليفه التشغيلية، بما في ذلك أجرة سيارة النقل وورشة القطاف والأسمدة والأدوية، ليخلص إلى أن أجور العمال تفوق دخل المزارع.
وكشف أنه اقترح على زملائه المزارعين التوقف عن الزراعة هذا العام والتوجه للعمل كعمال باليومية، معتبرًا ذلك أفضل من الاستمرار في الزراعة. وأضاف أن عمله كله بالدَّين، مؤكدًا أن الأسعار الحالية لا تتناسب مع المزارع بأي شكل من الأشكال.
مطالب بتسهيل التصدير والدعم
يرى المزارعون أن معالجة الأزمة الزراعية تتطلب خطوات تتعلق بفتح أسواق التصدير بشكل أكبر، وتقديم الدعم المباشر للفلاح، وتعزيز الرقابة على الأسواق والمستلزمات الزراعية.
لخّص المزارع محمود الأجوة أبرز أسباب الأزمة من وجهة نظره، معتبرًا أن ضعف القدرة الشرائية لدى المواطنين يأتي في مقدمة التحديات، يليه التوسع الكبير في الزراعة من دون خطة زراعية واضحة، إضافة إلى محدودية أسواق التصدير، باستثناء بعض دول الخليج، مع غياب السوق السعودية. وأكد أن تحسن وضع المنتج السوري يرتبط بقدرته على الوصول إلى أسواق مثل العراق والسعودية.
بدوره، يرى المزارع ياسر السيد أن الحلول تقع على عاتق الدولة، وفي مقدمتها فتح باب التصدير إلى دول الجوار بشكل انسيابي دون عوائق، معتبرًا أن ذلك من شأنه تحسين الأسعار، ومتسائلًا عن قدرة السوق المحلية وحدها على استيعاب حجم الإنتاج الزراعي السوري.
واقترح السيد دعم الفلاح وتشجيعه على الاستمرار في الزراعة، عبر افتتاح فروع في المديريات الزراعية تمنحه قروضًا ميسرة للحصول على الأسمدة والأدوية الزراعية.
كما طالب محمود الجهات المعنية بتشكيل لجنة طارئة تضم مزارعين متضررين، تعقد اجتماعات دورية لنقل واقع المزارعين ووضع خطة زراعية واضحة، إلى جانب مكافحة تهريب الأدوية والأسمدة ومصادرتها ومحاسبة من يدخلها ويروج لها، والعمل على فتح أسواق تصديرية جديدة.
عوائق التسويق والتصدير
لا تقتصر أزمة تسويق المنتجات الزراعية السورية على تدني الأسعار في السوق المحلية، بل تمتد إلى معوقات كبيرة في التصدير نحو الأسواق الخارجية، خصوصًا أسواق الخليج. فرغم عدم وجود قرار رسمي يمنع التصدير، يواجه المصدرون وسائقو الشحن عقبات لوجستية وإجرائية تعرقل انسياب البضائع.
يشخص خبير الاقتصاد الزراعي عبد الرزاق حبزة غياب أدوات التسويق الفعالة، واصفًا الفلاح بأنه يدفع تكاليف النقل والتوضيب ولا يحصل على ثمرة تعبه، مطالبًا بإنشاء أسواق "هال" فرعية قريبة من مناطق الإنتاج، وتفعيل مراكز التدخل الحكومية للتجميع والتسويق، إلى جانب استثمار السكك الحديدية لتخفيف الأعباء.
أما على صعيد التصدير، فيكشف سائق الشحن جمال القاضي أن إجراءات التفتيش المشددة على الحدود الأردنية تتلف شحنات الخضار والفواكه سريعة التلف، رغم تحسن محدود تمثل في حصول مئات السائقين على التأشيرة السعودية مؤخرًا.
في المقابل، تؤكد وزارة الزراعة تنسيقها مع الجهات المعنية لتسهيل التسويق، وتوضح هيئة دعم الصادرات أن دورها يشمل تيسير الإجراءات وإعداد الدراسات وبناء العلاقات الاقتصادية الخارجية، لكن العاملين في القطاع يرون أن تلك الجهود لا تزال دون مستوى انتظاراتهم، ليبقى المنتج الزراعي السوري عالقًا بين تكاليف إنتاج عاجزة عن تغطية نفسها محليًا، ومنافذ تصدير تختنق بالعراقيل اللوجستية والإجرائية.
ويأمل المزارعون أن تجد مطالبهم استجابة قبل أن يؤدي استمرار الخسائر إلى عزوف المزيد منهم عن الزراعة، في ظل معادلة يرون أن الفلاح فيها هو الأكثر تضررًا.
اقتصاد
سياسة
اقتصاد
اقتصاد