كورال "حلم وحنين" يبعث الحياة في حجارة صافيتا: أغنية تتحدى الحرب وتزرع الأمل


هذا الخبر بعنوان "حين غنّت حجارة صافيتا: حلمٌ وحنين… صوتُ مدينةٍ تعلّمت أن تهزم الحرب بالغناء" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لو امتلكت حجارة صافيتا القدرة على الغناء، ولأمكن لبرجها التاريخي أن يروي قصص القرون، لاختارت الموسيقى لغةً للتعبير. لكن أبناء المدينة الأوفياء تولوا هذه المهمة، فمنحت الحجارة الصامتة أصواتًا بشرية عبر كورال "حلم وحنين"، ليؤكدوا للعالم أن المدن تُعرف بجمال ما تنشده لا بأسوارها فحسب. هذا الكورال ليس مجرد فرقة موسيقية، بل هو تجسيد لأمنية صافيتا بأن تقول للعالم: "نحن هنا، وسوريا هنا". ورغم ثقل الحروب، تثبت هذه الأرض قدرتها على النهوض من تحت الرماد، وإعادة نسج الحياة بالنغم والأغنية بدلًا من الرصاص والصمت. لقد أثبت التاريخ أن الحروب تدمر الحجر، لكنها لا تقهر الإنسان ما دام يحمل في داخله لحنًا. وفي ظل الحاجة الماسة لإعادة إعمار الروح قبل الحجر في سوريا، يُعد الفن ليس ترفًا، بل وسيلة عميقة للشفاء. فالموسيقى قادرة على مداواة الذاكرة، واستعادة توازن الإنسان، وزرع الأمل في النفوس اليائسة. لذلك، لم يكن تأسيس كورال "حلم وحنين" مجرد نشاط فني، بل كان فعلًا حضاريًا مقاومًا. لم يأتِ هذا الفعل من فراغ، فمنذ انطلاقته عام 2008 كأول كورال في محافظة طرطوس، اعتمد على أسس أكاديمية راسخة في الغناء متعدد الأصوات والتوزيع الموسيقي والهارموني، في وقت كانت فيه الحركة الفنية بالمحافظة لا تزال في بداياتها. لم يكتفِ الكورال بنجاحه، بل ساهم في إحداث حراك موسيقي حقيقي، وفتح آفاقًا لأجيال جديدة لتدرك أن الفن رسالة، وأن الغناء الجماعي مدرسة للانضباط والذائقة والجمال. وبينما كان العالم غارقًا في الحروب، كان أطفال وشباب الكورال يتعلمون فن الهارموني، ويبحثون عن النغمة الصحيحة وسط الضجيج، مؤكدين أن الأصوات المختلفة لا تتنازع بل تخلق تناغمًا. وهكذا، تحولت الموسيقى إلى درس في قبول الآخر، ورسالة ضرورية للمجتمعات الخارجة من الصراعات. ومن الغريب أن تنبع هذه التجربة من صافيتا، المدينة التي تحتضن التاريخ في حجارتها وتزرعه في أبنائها. فمع كل أغنية يؤديها الكورال، يبدو وكأن بيوت المدينة القديمة تستعيد نبضها، وكأن الريح تحمل أصداء الأجداد، وكأن برج صافيتا نفسه يقود الفرقة، مرددًا: "ما زلنا هنا، وما زال في هذه الأرض ما يستحق الغناء". من هذه المدينة الصغيرة، انطلقت أصوات الكورال لتصل إلى محافظات سورية عدة، منها طرطوس وحمص وحلب ودمشق، واعتلى خشبة دار الأوبرا السورية، حاملًا معه صورة صافيتا التي يعرفها أبناؤها: مدينة تكتب تاريخها بالفن كما كتبته بالحجر. على مدار سنواته، لم يقتصر الكورال على إحياء عشرات الحفلات، بل بنى أرشيفًا غنيًا من الأعمال الكورالية، ونظم مهرجانات موسيقية، واحتضن مبادرات إنسانية وثقافية، ليصبح أحد أبرز المشاريع الموسيقية الأهلية في سوريا. لكن هذه الرسالة الفنية النبيلة تستحق أكثر من مجرد تصفيق؛ إنها بحاجة إلى الدعم. فمن المؤسف أن العديد من المبادرات الفنية في سوريا لا تزال تعتمد على إمكانيات محدودة. والدليل الأكبر على ذلك هو تلقي الكورال دعوات متكررة للمشاركة في مهرجانات عالمية وتمثيل سوريا في محافل دولية، إلا أن ضيق الإمكانيات المادية حال دون تلبية معظمها. إنه لأمر مؤلم أن تمتلك بلاد مشروعًا فنيًا قادرًا على تقديم صورتها الحضارية للعالم، ليظل أسيرًا لعائق مالي كان يمكن تجاوزه بوجود رؤية حقيقية تؤمن بأن الثقافة ليست بندًا هامشيًا في الموازنات، بل هي ركيزة أساسية لبناء الإنسان. نعم، لا يزال الفن يُعامل أحيانًا كرفاهية، بينما الحقيقة أن تقدم الأمم لا يُقاس بالاقتصاد وحده، بل أيضًا بعدد مسارحها، وفرقها الموسيقية، وأطفالها الذين يكبرون وهم يغنون بدلًا من أن يكبروا على الخوف. إن دعم كورال "حلم وحنين"، وكل المبادرات الفنية المماثلة، هو استثمار في الإنسان، وفي ذاكرة الوطن، وفي مستقبله. فكل طفل يتعلم الغناء، يتعلم الإصغاء، وكل عمل فني جميل هو انتصار جديد للحياة على الخراب. وهكذا، يبقى كورال "حلم وحنين" أكثر من مجرد فرقة موسيقية؛ إنه صوت مدينة، ورسالة وطن، ودليل حيّ على أن سوريا، مهما مرت عليها الظروف، تعرف دائمًا كيف تنهض من جديد، حاملةً في قلبها أغنية، وفي وجدانها إيمانًا لا ينطفئ بأن الفن هو الوجه الأجمل للحياة.
اقتصاد
سياسة
سياسة
اقتصاد