القطن السوري يواجه شبح الاختفاء: تكاليف الإنتاج الباهظة تهدد محصولاً استراتيجياً


هذا الخبر بعنوان "الجزيرة السورية: تكاليف الإنتاج تُضيّق الخناق على مزارعي القطن" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه محصول القطن، الذي لطالما كان ركيزة أساسية في الاقتصاد الزراعي السوري على مدى عقود، ضغوطاً اقتصادية متزايدة تلقي بظلالها الثقيلة على المزارعين في مناطق الجزيرة السورية. يشير المزارعون إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار الوقود، والأسمدة، والمبيدات الزراعية، بالإضافة إلى تزايد أجور العمالة، بات يهدد جدوى الاستمرار في زراعته. وفي ظل هذه التحديات، تتصاعد المطالبات بتدخل حكومي عاجل لدعم مستلزمات الإنتاج، حفاظاً على محصول ارتبط تاريخياً بالهوية الاقتصادية لسوريا.
يُعتبر القطن من أهم المحاصيل النقدية في البلاد، حيث كان يغذي صناعات الغزل والنسيج بالمواد الخام لعقود طويلة. وقد اكتسب القطن السوري شهرة عالمية بفضل جودة أليافه المميزة. إلا أن سنوات الحرب، وتراجع المساحات المزروعة، وارتفاع تكاليف الإنتاج، أدت إلى انكماش كبير في هذا القطاع الحيوي.
على الرغم من الجهود المبذولة في استنباط أصناف محلية جديدة تتميز بإنتاجية عالية وقدرة على مقاومة الإجهادات الحرارية والمائية، يرى المزارعون أن العقبات الميدانية المتعلقة بتكاليف الإنتاج هي التحدي الأكبر أمام استعادة القطن لمكانته.
في قرية الجلو بريف الحسكة، يصف المزارع حسن علي الحسن، الذي يمارس زراعة القطن منذ سنوات، الموسم الحالي بأنه من أصعب المواسم التي مرت عليه بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف الإنتاج. وأوضح في تصريح لـ”سوريا 24” أن أسعار المازوت تشكل عبئاً كبيراً، حيث وصل سعر اللتر إلى حوالي 12 ألف ليرة سورية، بينما تتطلب زراعة القطن تشغيل مضخات الري بشكل مستمر، مما يرفع تكلفة الري إلى مستويات لا يمكن للمزارعين تحملها. وأشار إلى أن الدعم الحكومي السابق للمازوت كان يخفف من الأعباء، بينما أصبح الاعتماد الحالي على الوقود الحر يزيد من الضغوط المالية.
لا تقتصر الصعوبات على الوقود، فقد شهدت أسعار الأسمدة والمبيدات الزراعية ارتفاعاً ملحوظاً. ويذكر الحسن أن سعر كيس السماد (50 كيلوغراماً) يصل إلى حوالي 20 دولاراً، في حين تتطلب زراعة القطن عمليات رش متكررة لمكافحة الآفات، مما يضيف أعباء مالية إضافية. كما ساهم ارتفاع أجور العمالة الزراعية ونقص الأيدي العاملة في زيادة التكاليف، سواء في عمليات الغرس أو التنظيف أو العناية بالمحصول.
يحذر الحسن من أن استمرار هذه الظروف قد يدفع المزيد من المزارعين إلى التخلي عن زراعة القطن، مطالباً بتوفير كميات مدعومة من المازوت وتأمين الأسمدة بأسعار معقولة لدعم استمرارية الإنتاج.
وفي ناحية العريشة بريف الحسكة، يصف المزارع سليمان خلف العبود واقع الموسم بأنه لا يقل صعوبة. وأشار إلى أن زراعة القطن أصبحت تقتصر على عدد قليل من المزارعين، وغالباً أولئك الذين يمتلكون أنظمة طاقة شمسية لتخفيف تكاليف الري. وذكر لموقع “سوريا 24” أن أسعار الأسمدة حالت دون قدرته على إضافة سماد اليوريا بعد السقاية الثالثة، حيث بلغ سعر الكيلوغرام الواحد حوالي 15 ألف ليرة سورية، بينما يحتاج الدونم الواحد إلى ما بين 5 و8 كيلوغرامات، مما يشكل عبئاً مالياً كبيراً. وأضاف أن تكلفة حراثة الدونم الواحد تصل إلى حوالي 24 دولاراً، دون احتساب تكاليف العمالة للغرس والتنظيف، مما يجعل كلفة الإنتاج الإجمالية مرتفعة جداً، تدفع الكثيرين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن المحصول.
تأتي هذه الشكاوى في وقت تشير فيه بيانات رسمية إلى استمرار تراجع إنتاج القطن مقارنة بمستوياته التاريخية، بعد تقلص المساحات المزروعة خلال السنوات الماضية بسبب الحرب والجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج. وتؤكد وزارة الزراعة أهمية التوسع في زراعته لقيمته الاقتصادية والصناعية، مع التشديد على الحفاظ على جودة الأصناف السورية المعتمدة. وتعمل الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية على تطوير أصناف جديدة تتميز بإنتاجية أعلى وقدرة أكبر على تحمل الإجهادات المناخية والآفات.
تشير المعطيات من مناطق زراعة القطن إلى أن مستقبل هذا المحصول لن يعتمد فقط على جودة البذور أو الخبرة الزراعية، بل على قدرة السياسات الزراعية على توفير مستلزمات الإنتاج بأسعار معقولة، بما يمنع استمرار تقلص المساحات المزروعة بمحصول لطالما كان أحد أعمدة الزراعة والصناعة السورية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد