غبار المقالع في ريف حلب الشمالي: صراع بين الإعمار وحق السكان في بيئة صحية


هذا الخبر بعنوان "ريف حلب الشمالي: غبار المقالع بين متطلبات الإعمار وحماية السكان" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يعد الغبار المتصاعد من المقالع والكسارات المنتشرة في محيط بلدتي حيان وبيانون، بريف حلب الشمالي، مجرد مصدر إزعاج يومي للسكان. فمع استمرار حركة التكسير ونقل المواد الحجرية، تحولت الشكاوى إلى قضية تمس الصحة العامة والإنتاج الزراعي، في وقت يتمسك فيه أصحاب المقالع باستمرار العمل، باعتبارها مصدرًا أساسيًا لمواد البناء التي تحتاج إليها المنطقة في ترميم ما خلّفته الحرب من دمار واسع.
غبار يدخل المنازل ويلاحق الأطفال
يشكو السكان في مدينة حيان من مخلفات المقالع التي تضر بالصحة وتزيد من صعوبة التنفس. ويقول إبراهيم حايك، من سكان المدينة، لموقع “سوريا 24”، إن الغبار الناتج عن المقالع والكسارات “بات جزءًا من الحياة اليومية”، موضحًا أن الأتربة تتسلل باستمرار إلى المنازل، وتغطي الأثاث والنوافذ والأشجار المحيطة. وبحسب حايك، يربط عدد من الأهالي بين استمرار التعرض للغبار وازدياد المشكلات التنفسية، ولا سيما حالات الربو لدى الأطفال. ويضيف أن المشكلة تصبح أكثر وضوحًا خلال فصل الصيف، حين يجف الهواء وتزداد حركة الغبار مع ارتفاع درجات الحرارة وعمل الآليات والشاحنات. ولا يرى حايك أن الحل يكمن في إغلاق المقالع، بل في إلزامها بتدابير تقلل الانبعاثات، من بينها تشغيل رشاشات المياه بصورة دائمة في مواقع العمل، وتركيب أنظمة لشفط الغبار عند نقاط تكسير الصخور، إلى جانب تنظيم حركة الشاحنات ورش الطرق التي تسلكها.
المحاصيل تحت طبقة من الأتربة
لا تقتصر الشكاوى على المنازل والصحة، بل تمتد إلى الأراضي الزراعية المحيطة. ويقول عدد من السكان إن طبقات من الغبار تستقر بصورة شبه يومية على الأشجار والمزروعات، ما يثير مخاوف من تراجع جودة المحاصيل وإنتاجيتها. ويقول أبو أحمد حايك، من أهالي حيان، لموقع “سوريا 24”، إن كثيرًا من العائلات تعتمد على الزراعة مصدرًا رئيسيًا للدخل، وإن استمرار تراكم الغبار على الأوراق والثمار يزيد الأعباء على المزارعين، خصوصًا في ظل ارتفاع كلفة الري ومستلزمات الإنتاج. ويؤكد أن الأهالي لا يتجاهلون حاجة المنطقة إلى مواد البناء، ولا يطالبون بوقف المقالع كليًا، لكنهم يرون أن استمرار العمل بالشكل الحالي لا ينبغي أن يكون على حساب صحتهم وأراضيهم. ويضيف أن إجراءات بسيطة نسبيًا، مثل ترطيب الطرق، وتشغيل الرشاشات بانتظام، وتغطية المواد المنقولة بالشاحنات، قد تخفف جزءًا كبيرًا من الغبار الذي يصل إلى القرى المجاورة.
اشتراطات بيئية بلا مسافة موحدة
لا يحدد القانون السوري رقم 26 لعام 2009، الناظم لاستثمار المقالع والمناجم، مسافة موحدة وثابتة تفصل جميع المقالع عن التجمعات السكنية، بل يربط منح التراخيص باستيفاء الشروط الفنية والبيئية التي تحددها الجهات المختصة وفق طبيعة الموقع وآثاره المحتملة. وتشمل هذه الاشتراطات، من حيث المبدأ، دراسة موقع المقلع، والحصول على الموافقات اللازمة، وتقييم أثر النشاط على البيئة المحيطة، واتخاذ إجراءات للحد من الغبار والضجيج، وحماية الأراضي الزراعية والغطاء النباتي، فضلًا عن الالتزام بمعايير السلامة العامة، ووضع خطة لإعادة تأهيل الموقع بعد انتهاء الاستثمار. غير أن المشكلة، بحسب السكان، لا تتعلق فقط بوجود النصوص، بل بمدى تطبيقها ومراقبة الالتزام بها بصورة منتظمة، وخصوصًا في المناطق القريبة من التجمعات السكنية والأراضي الزراعية.
أصحاب المقالع: مواد البناء لا بديل عنها
في المقابل، يرى مصطفى كورج، صاحب مقلع في منطقة الطامورة، أن النقاش حول المقالع يجب أن يأخذ في الاعتبار حاجة المنطقة إلى مواد البناء، لا سيما مع استمرار عمليات ترميم المنازل والمنشآت المتضررة. ويقول كورج، لموقع “سوريا 24”، إن منطقة الطامورة مخصصة لأعمال المقالع منذ أكثر من عشرين عامًا، وتشكل مصدرًا مهمًا للحجر الكلسي الذي تعتمد عليه مدينة حلب وأريافها، إضافة إلى مناطق في شرق البلاد، بالنظر إلى طبيعة التكوينات الجيولوجية فيها. ويضيف أن قرب مواقع الإنتاج من المدن والبلدات يسهم في خفض تكاليف النقل، وبالتالي إبقاء أسعار مواد البناء ضمن حدود يمكن للسكان تحملها نسبيًا. ويرى أن استجرار الحجر والبحص من مناطق أبعد، أو من خارج البلاد، سيؤدي إلى زيادة كبيرة في الأسعار، في وقت تعاني فيه آلاف العائلات أصلًا من ضعف القدرة الشرائية. ويقر كورج بأن تشغيل الكسارات يؤدي بطبيعته إلى انبعاث الغبار، لكنه يعتبر أن حجم الضرر “لا يصل إلى المستوى الذي يجري تداوله”، مؤكدًا أن أصحاب المقالع لا يملكون مصلحة في الإضرار بالسكان أو بالمحاصيل الزراعية.
طريق معبّد ورشاشات مياه
بحسب كورج، اتخذ أصحاب المقالع بعض التدابير للحد من تطاير الغبار، من بينها تشغيل رشاشات المياه داخل مواقع العمل، وتزفيت الطريق الرئيسي المؤدي إلى المقالع، بكلفة قال إنها بلغت نحو 25 ألف دولار، بهدف تقليل الأتربة الناتجة عن مرور الشاحنات. ويشير إلى أن الطبيعة الجغرافية للمقالع تفرض وجودها في سفوح الجبال، وهي مناطق غالبًا ما تكون قريبة من قرى وبلدات، ما يجعل منع الغبار كليًا أمرًا صعبًا. لكنه يؤكد العمل على إدخال تقنيات أحدث قد تحد من الانبعاثات وتقلل وصولها إلى المناطق السكنية. ويقول إن المرحلة الحالية تتطلب تعاونًا بين السكان وأصحاب المقالع والجهات الإدارية، للوصول إلى حلول تضمن استمرار توفير مواد البناء، من دون تجاهل الأضرار البيئية والصحية المحتملة.
خطر صحي يحتاج إلى قياس لا إلى تقديرات
ترتبط الجسيمات الدقيقة المحمولة في الهواء، وخصوصًا الناتجة عن الأنشطة الصناعية وتكسير الصخور، بمخاطر على الجهازين التنفسي والقلبي، ولا سيما لدى الأطفال وكبار السن والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة. لكن تحديد حجم الخطر في حيان وبيانون يحتاج إلى قياسات ميدانية منتظمة لجودة الهواء وتركيز الجسيمات الدقيقة، بدلًا من الاكتفاء بتقديرات السكان أو أصحاب المقالع. كما يتطلب تقييم أثر الغبار على الأراضي الزراعية فحوصًا مستقلة للمحاصيل والتربة والأوراق، بما يسمح بتحديد الضرر الفعلي ومصدره. وفي غياب هذه القياسات، يبقى كل طرف متمسكًا بروايته: سكان يتحدثون عن غبار يلاحقهم داخل البيوت والحقول، وأصحاب مقالع يرون أن نشاطهم ضرورة اقتصادية لا يمكن الاستغناء عنها.
معادلة الإعمار والحماية
بين الحاجة إلى مواد البناء، وحق السكان في هواء أكثر نظافة وبيئة زراعية آمنة، لا تبدو القضية قابلة للحل بإغلاق المقالع أو تركها تعمل من دون رقابة. وتتطلب المعالجة، بحسب مطالب الأهالي، إلزام مواقع العمل بأنظمة دائمة للرش وشفط الغبار، وترطيب الطرق، وتنظيم حركة الشاحنات، وتغطية حمولاتها، وإجراء قياسات دورية لجودة الهواء، مع نشر النتائج بصورة شفافة. فإعادة الإعمار، بالنسبة إلى سكان حيان وبيانون، لا تعني فقط بناء المنازل المتضررة، بل ضمان ألا تتحول مواد البناء نفسها إلى عبء جديد على صحة من بقوا في المنطقة، وعلى الأراضي التي يعتمدون عليها في معيشتهم.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي