ارتفاع أسعار الفروج في دمشق مجدداً: هل هي أزمة إنتاج أم خلل في آليات السوق؟


هذا الخبر بعنوان "الفروج يعاود الارتفاع في دمشق.. أزمة إنتاج أم اختلال في السوق؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد أسواق العاصمة السورية دمشق موجة جديدة من ارتفاع أسعار الفروج، مما أعاد إلى الواجهة النقاش حول أسباب تقلبات أسعار هذه السلعة الأساسية، خاصة بعد أسابيع قليلة من انخفاضها. يُعد الفروج وجبة اللحوم الرئيسية لمعظم الأسر السورية، ويأتي هذا الارتفاع في ظل استمرار صعود أسعار اللحوم الحمراء وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين.
في جولة ميدانية لصحيفة عنب بلدي في أسواق دمشق، تراوحت أسعار كيلو الفروج بين 25 و34 ألف ليرة سورية. أما أسعار "شرحات الدجاج" فبلغت بين 68 و74 ألف ليرة للكيلو، بينما تراوح سعر كيلو الوردة بين 35 و38 ألف ليرة، وكيلو الجوانج بين 28 و35 ألف ليرة.
تتداخل العوامل الاقتصادية والإنتاجية والتنظيمية في تشكيل هذه الأزمة، وفقاً لآراء الخبراء. يربط أمين سر جمعية حماية المستهلك في دمشق، عبد الرزاق حبزة، ارتفاع أسعار الفروج بارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، مشيراً إلى أن هذا الغلاء دفع المزيد من المستهلكين للتوجه نحو الفروج كبديل أقل تكلفة، مما زاد الطلب عليه. كما أثرت ارتفاعات درجات الحرارة على دورات التربية والإنتاج، لكن المشكلة الأبرز تكمن في غياب التنظيم لدورات التربية بين المربين، حيث يتزامن دخولهم وإنتاجهم، مما يؤدي إلى وفرة مؤقتة تتبعها ندرة وارتفاع جديد في الأسعار. ويشدد حبزة على ضرورة إشراف وزارة الزراعة على تنظيم مواعيد دورات التربية لضمان استمرارية الإنتاج واستقرار السوق.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن محمد، الأستاذ في كلية الاقتصاد بجامعة حماة، أن غلاء الأعلاف وتكاليف التربية هو العامل الأكثر تأثيراً، مما دفع العديد من المربين للخروج من الإنتاج. ويؤكد أن انتهاء الأفواج الإنتاجية ليس سبباً رئيسياً بحد ذاته، بل هو نتيجة مباشرة لانهيار الجدوى الاقتصادية لدورات التربية. وتشكل الأعلاف ما بين 70% و80% من تكلفة الإنتاج، وتعتمد بشكل كبير على الاستيراد، مما يجعل التكلفة مرتبطة بتقلبات سعر الصرف. بالإضافة إلى ذلك، يؤثر عدم استقرار سعر الصرف على صعوبة احتساب تكاليف الإنتاج المستقبلية. وقد اضطر العديد من صغار ومتوسطي المربين لتقليص إنتاجهم بسبب عدم قدرتهم على تأمين رأس المال لشراء الأعلاف والكتاكيت، مما خلق فجوة في المعروض انعكست على الأسعار. كما زادت تكاليف المحروقات والكهرباء اللازمة للتدفئة والتهوية، وارتفاع تكاليف النقل، من كلفة إنتاج الطير الواحد.
على الرغم من أن الفروج لا يزال الخيار الغذائي الأكثر إقبالاً لدى شريحة واسعة من السوريين، إلا أن ارتفاع الأسعار قد غيّر أنماط الاستهلاك. يؤكد بائعو الفروج في دمشق أن الإقبال متفاوت ولكنه جيد، وأن الناس ما زالوا يعتبرونه وجبتهم الأساسية لكون اللحوم الحمراء تفوق قدرتهم الشرائية، إلا أن كميات الشراء أصبحت محدودة جداً. يفرق الدكتور عبد الرحمن محمد بين الحاجة للسلعة والقدرة على شرائها، مشيراً إلى وجود "انفصام كامل" بين الطلب النظري والفعلي. فالحاجة للفروج مرتفعة، لكن انهيار القدرة الشرائية أدى إلى تراجع الكميات المشتراة، حيث تكتفي الأسر بشراء نصف كيلوغرام بدلاً من كيلوغرام، أو تقلل عدد مرات الشراء شهرياً. هذا الواقع خلق سوقاً محدودة الطلب، يحاول المنتجون تعويض انخفاض المبيعات برفع الأسعار، مما يدخل السوق في حلقة ركود تضخمي. ويتفق حبزة مع هذا الطرح، مؤكداً أن ضعف القدرة الشرائية، في ظل استمرار البطالة وتدني الدخول، هو أحد أبرز أسباب تفاقم الأزمة.
يعود التذبذب المستمر في أسعار الفروج إلى غياب مقومات الاستقرار في السوق. فتقلب سعر الصرف ينعكس مباشرة على أسعار الأعلاف، بينما تباع المنتجات بالليرة السورية. كما أن غياب البيانات الدقيقة حول حجم الأعلاف المتوفرة والإنتاج الحقيقي يجعل السوق عرضة للشائعات والمضاربات. ويرى حبزة أن غياب التدخل الحكومي منح بعض المربين والتجار قدرة أكبر على التحكم بالسوق، عبر تأخير طرح الإنتاج أو استغلال إمكانية تخزين الفروج المبرد. كما ساهم قرار منع استيراد الفروج في ارتفاع الأسعار. ويدعو إلى السماح بالاستيراد عند حدوث نقص في المعروض أو ارتفاع غير مبرر للأسعار، لتحقيق التوازن بين العرض والطلب والحد من الاحتكار.
يقترح الدكتور عبد الرحمن محمد توفير دعم مباشر ومدروس للأعلاف للمربين المسجلين مقابل التزامهم ببيع الإنتاج ضمن سقوف سعرية محددة، وخفض تكاليف النقل، وافتتاح منافذ بيع مباشرة من المنتج إلى المستهلك. ويدعو حبزة إلى إعادة تفعيل دور المؤسسة العامة للدواجن والمؤسسة السورية للتجارة، وضخ جزء من إنتاجهما في الأسواق لتعزيز المنافسة والحد من الاحتكار، إلى جانب تنظيم دورات التربية والتدخل الحكومي السريع عند حدوث أي اختلال في السوق. ويخلص الخبيران إلى أن استمرار الأزمة دون معالجة أسبابها البنيوية سيبقي أسعار الفروج عرضة للتذبذب، في وقت تزداد فيه الضغوط على الأسر السورية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سياسة