زيارة غوتيريش إلى سوريا: هل تعزز دور "أندوف" في مواجهة التوغلات الإسرائيلية؟


هذا الخبر بعنوان "مقابل توغلات إسرائيل.. كيف تؤثر زيارة غوتيريش في دور “أندوف”" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتزامن زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى سوريا مع تصاعد الاهتمام الدولي بالأوضاع في الجنوب السوري، حيث تعود مهمة قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (أندوف) إلى دائرة النقاش. يأتي هذا في ظل استمرار الانتهاكات الإسرائيلية داخل المنطقة الفاصلة، وتزايد مطالب السكان المحليين بدور أممي أكثر فاعلية في الحد من التوغلات والاعتقالات والقيود المفروضة على الحركة. ورغم أن مجلس الأمن جدد ولاية القوة الأممية، فإن التطورات الميدانية خلال الأشهر الماضية أعادت طرح تساؤلات حول حدود صلاحياتها، وقدرتها على تجاوز دور المراقبة والتوثيق إلى التأثير في الوقائع على الأرض، ولا سيما مع استمرار توثيق الأمم المتحدة لوجود عسكري إسرائيلي داخل المنطقة العازلة.
تتزايد المطالب الشعبية المتكررة بتدخل القوات الأممية لمنع التوغلات والاعتقالات الإسرائيلية المتكررة، وإطلاق سراح المعتقلين، دون معرفة آلية عمل القوات وصلاحياتها. وفي هذا السياق، أوضح أستاذ القانون الدولي العام والخبير في العلاقات الدولية الدكتور عامر فاخوري، أن طبيعة مهمة “أندوف” تختلف جذريًا عما يعتقده كثيرون، إذ إنها ليست قوة عسكرية مكلفة بفرض السلام أو استخدام القوة، وإنما بعثة مراقبة أنشئت عقب اتفاق فض الاشتباك السوري الإسرائيلي عام 1974 لمتابعة وقف إطلاق النار، ومراقبة المنطقة الفاصلة، ونقل أي انتهاكات إلى الأمم المتحدة.
وقال فاخوري في حديث إلى عنب بلدي، إن تقييم عمل القوة اليوم، يتم عبر ثلاثة مستويات رئيسة. يتمثل الأول في مراقبة خط وقف إطلاق النار والفصل بين الجانبين، وهو دور لا يزال يحافظ على الحد الأدنى من التواصل الميداني ويحد من تحول أي حادث أمني إلى مواجهة واسعة، إلا أن قدرة القوة على الفصل أصبحت أضعف بكثير من قدرتها على الرصد. وأشار فاخوري إلى أن أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة وثّق وجود القوات الإسرائيلية داخل الجانب السوري من المنطقة الفاصلة، وإقامة 11 موقعًا عسكريًا، ثمانية منها داخل منطقة الفصل، إضافة إلى إنشاء حواجز وأعمال هندسية أضرت بالأراضي الزراعية ومنعت بعض السكان من الوصول إليها، وهو ما اعتبرته الأمم المتحدة انتهاكًا لاتفاق عام 1974.
أما المستوى الثاني فيتمثل في توثيق الانتهاكات، وهي المهمة التي باتت تحتل أهمية متزايدة في ظل محدودية صلاحيات القوة. وأوضح فاخوري أن التقارير التي ترفعها “أندوف” تحول الانتهاكات من مجرد روايات محلية إلى وثائق رسمية معتمدة لدى الأمم المتحدة يمكن الاستناد إليها في التحركات السياسية والقانونية، مع التأكيد على أن التوثيق بحد ذاته لا يؤدي إلى وقف الانتهاكات ما لم يقترن بإجراءات سياسية من مجلس الأمن والدول المؤثرة.
وفي المستوى الثالث، لفت الخبير في العلاقات الدولية إلى أن بطاقات المزارعين والرعاة التي يجري تنظيمها ليست اعترافًا بأي سيادة إسرائيلية على الأراضي السورية، وإنما ترتيبات إنسانية تهدف إلى تسهيل وصول السكان إلى أراضيهم وتقليل احتمالات التعرض لإطلاق النار أو الاعتقال عند الاقتراب من خط وقف إطلاق النار، بالتنسيق مع السلطات السورية. وقد لاقت البطاقة الممنوحة من قبل قوات “أندوف” لفلاحي القنيطرة بهدف حمايتهم من الانتهاكات الإسرائيلية صدى إيجابيًا، بحسب ما أفاد به عدد من الفلاحين عنب بلدي، موضحين أن استخدامات البطاقة لا تقتصر على عمليات الحصاد، بل يستفيدون منها خلال رعي مواشيهم في الأراضي الزراعية بالمنطقة.
رغم محدودية صلاحياتها التنفيذية، يرى الخبراء أن أهمية القوة الأممية لا تقاس بعدد دورياتها أو أفرادها، وإنما بالدور السياسي والقانوني الذي تؤديه في المنطقة. وأشار فاخوري إلى أن وجود “أندوف” يمنع تحول المنطقة الفاصلة إلى مساحة خالية من أي حضور دولي، ويوفر جهة محايدة نسبيًا لتوثيق الانتهاكات، إضافة إلى الحفاظ على قنوات اتصال ميدانية بين الطرفين لتجنب سوء التقدير العسكري، فضلًا عن مساهمتها غير المباشرة في حماية المدنيين عبر تنظيم حركة المزارعين والإبلاغ عن القيود المفروضة على السكان.
من جهته، يرى الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن عمار جلو، أن الدور الأهم الذي تؤديه الأمم المتحدة اليوم يتمثل في الحفاظ على السجل القانوني للانتهاكات، باعتبار أن توثيق الوقائع يمنع ضياع الحقوق مع مرور الزمن، ويمكن أن يشكل لاحقًا أساسًا لأي مطالبات سياسية أو قانونية. وضرب جلو مثالًا بملف مزارع شبعا، حيث لعب توثيق الأمم المتحدة للأحداث الميدانية دورًا في بناء المرجعيات المتعلقة بالحدود، معتبرًا أن التوثيق قد يكون في الظروف الحالية أكثر الأدوات فعالية، حتى في غياب القدرة على فرض تنفيذ القرارات الدولية.
وسط زيارة الأمين العام الأمم المتحدة، تتجه الأنظار إلى ما إذا كانت ستنعكس على أداء “أندوف” أو على الواقع الأمني في الجنوب السوري. ويرى فاخوري أن الزيارة تحمل عدة رسائل، أبرزها منح البعثة الأممية دعمًا سياسيًا مباشرًا من أعلى مستوى في الأمم المتحدة، وإتاحة الفرصة للأمين العام للاطلاع ميدانيًا على طبيعة الانتهاكات والقيود التي تواجهها القوات، بما قد يفضي إلى مطالبات أكثر وضوحًا باحترام اتفاق فض الاشتباك، وإزالة المواقع العسكرية من المنطقة الفاصلة، وضمان حرية حركة الدوريات والسكان. لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الزيارة، مهما بلغت أهميتها، لن تغير تفويض القوات أو قواعد الاشتباك، إذ يبقى تأثيرها مرتبطًا بمدى استعداد مجلس الأمن والدول الكبرى لترجمة نتائجها إلى خطوات سياسية عملية.
أما عمار جلو فينظر إلى الزيارة من زاوية أوسع، معتبرًا أنها تحمل دلالات سياسية ورمزية أكثر من كونها قادرة على إحداث تغيير ميداني مباشر. وقال إن الزيارة قد تعزز الحضور الدولي للحكومة السورية الجديدة، بوصفها أول زيارة يقوم بها أعلى مسؤول أممي إلى دمشق بعد سقوط نظام الأسد، كما قد تمهد الطريق أمام بعض الدول لإعادة النظر في مستوى تعاملها مع الحكومة السورية، فضلًا عن أنها تعكس استمرار اهتمام الأمم المتحدة بالملف السوري.
وفيما يتعلق بعمل “أندوف”، يعتقد جلو أن تأثير الزيارة سيكون محدودًا، لأن المشكلة الأساسية تكمن في غياب إطار أمني جديد ينظم العلاقة بين سوريا وإسرائيل بعد انهيار اتفاق 1974 عمليًا، ما يجعل مهمة القوات أكثر هشاشة، وإن كان من الممكن أن تمنحها الزيارة دفعة سياسية ومعنوية لمواصلة أداء مهامها.
تتكرر مطالب سكان الجنوب السوري للقوات الأممية بالتدخل لمنع التوغلات والاعتقالات والانتهاكات الإسرائيلية، كما ينظم أهالي وذوو المعتقلين والمختطفين السوريين لدى الجيش الإسرائيلي وقفات احتجاجية دورية أمام مقر “أندوف”، للمطالبة بالكشف عن مصير أبنائهم والعمل على الإفراج عنهم، وتسليط الضوء على معاناتهم المستمرة، إلا أن هذه المطالب تصطدم بحدود التفويض الممنوح للقوة.
وأكد فاخوري أن إسرائيل تنظر إلى “أندوف” باعتبارها قوة مراقبة لا قوة ردع، وتدرك أن عناصرها يستطيعون توثيق الانتهاكات والاحتجاج عليها، لكنهم لا يملكون صلاحية استخدام القوة لمنعها أو إجبار القوات الإسرائيلية على الانسحاب. وقال إن المشكلة لا تكمن في البعثة نفسها، وإنما في غياب موقف حازم من مجلس الأمن، إذ إن استمرار الانتهاكات دون وجود تكلفة سياسية أو قانونية مباشرة يجعل الاحتجاجات الأممية وحدها غير كافية لردعها.
ويتفق الباحث جلو مع هذا التقييم، مشيرًا إلى أن إسرائيل لا تبدي اهتمامًا كبيرًا بالقرارات أو المطالبات الأممية، مستفيدة من الدعم السياسي الغربي، الأمر الذي يحد من فاعلية الضغوط الدولية. كما يرى أن الظروف السياسية داخل إسرائيل، إلى جانب الأزمات الداخلية واقتراب الانتخابات، تجعل فرص التوصل إلى مسار سياسي جديد أو اتفاق أمني بديل محدودة في الوقت الراهن، ما يعني أن الدور الأممي سيبقى، في المدى المنظور، محصورًا في المراقبة والتوثيق والحفاظ على القنوات الدبلوماسية، أكثر من قدرته على فرض وقائع جديدة على الأرض.
قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك هي البعثة الأممية الرئيسة في سوريا، وتنتشر في منطقة الفصل (المنطقة العازلة) في هضبة الجولان لمراقبة وقف إطلاق النار بين القوات السورية والإسرائيلية، وذلك بموجب اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974. وتتمثل مهامها في مراقبة وقف إطلاق النار، والإشراف على منطقة الفصل منزوعة السلاح، والتحقق من فصل القوات ومنع أي اختراقات للاتفاقية. أما خريطة انتشارها في سوريا فتتمثل في منطقة الفصل، إذ تمتد على طول خط “ألفا” (غربًا باتجاه الأراضي المحتلة) وخط “برافو” (شرقًا داخل الأراضي السورية).
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة