المستورد الوهمي: شبح يهدد الاقتصاد السوري ويحرم الخزينة من إيرادات ضخمة


هذا الخبر بعنوان "شبح في المنافذ الحدودية.. “المستورد الوهمي” يهدد الاقتصاد الوطني السوري" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ تموز ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتحرك ملايين الأطنان من البضائع عبر المنافذ السورية تحت غطاء أسماء وهمية أو مغايرة لأصحابها الحقيقيين، مما يجعل ظاهرة "المستورد الوهمي" أداة خطيرة للالتفاف الاقتصادي يستخدمها تجار متنفذون في سوريا. يتوارى هؤلاء التجار خلف سجلات تجارية بأسماء مضللة أو شركات صورية مؤقتة لتمرير شحناتهم بعيدًا عن أعين الرقابة. يتجاوز خطر هذه الظاهرة مجرد التهرب الضريبي ليصبح تهديدًا مباشرًا للأمن الاقتصادي، حيث تحرم خزينة الدولة من إيرادات جمركية هائلة، وتخلق منافسة غير عادلة تضر بالتجار الملتزمين، بالإضافة إلى دورها في المضاربة على النقد الأجنبي وتسييل الأرباح في الأسواق الموازية، مما يساهم في رفع معدلات التضخم وزيادة أسعار السلع الأساسية.
لمواجهة هذا النزيف، بدأت الحكومة السورية بتشديد إجراءاتها القانونية. حملت وزارة المالية المخلصين الجمركيين المسؤولية القانونية والتضامنية الكاملة عن التحقق من هوية أصحاب البضائع الفعلية، وفرضت سلف ضريبية مسبقة عند المنافذ، في محاولة لإحكام القبضة على قنوات الاستيراد وتحويل "المستورد الوهمي" من ثغرة للثراء غير المشروع إلى جريمة اقتصادية يعاقب عليها القانون.
يعرّف الأكاديمي السوري الدكتور محمد تيسير فقيه "المستورد الوهمي" بأنه "استغلال هويات أفراد أو سجلات تجارية لشركات صورية لا وجود لها على أرض الواقع، بهدف تمرير شحنات بضائع ضخمة لمصلحة تجار أو صناعيين حقيقيين يرغبون في التهرب من الضرائب والرسوم والمساءلة القانونية". وتشمل حالات هذه الظاهرة استغلال السجلات التجارية لأشخاص ذوي دخل محدود، حيث يتفق تاجر كبير مع شخص بسيط لفتح سجل تجاري باسمه مقابل مبلغ مالي، وعندما تُشحن البضائع وتسجل باسم هذا الشخص، تطالب وزارة المالية بالضرائب المترتبة على الأرباح الحقيقية، ليكتشفوا أن المستورد الاسمي لا يملك أصولاً مالية لسدادها. كما تشمل الظاهرة تأسيس شركات استيراد وتصدير صورية مؤقتة برأس مال وهمي ومقر غير موجود، تُستخدم لتنفيذ عمليات استيراد ضخمة ثم تُغلق فجأة بعد بيع البضائع وتسييل الأرباح. بالإضافة إلى استخدام وثائق مزورة وهويات مفقودة أو مسروقة لتنفيذ المعاملات دون علم أصحابها الحقيقيين.
من جانبه، أكد وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، انتشار ظاهرة المستورد الوهمي في الأشهر الماضية، مما أضاع إيرادات ضريبية كبيرة. تعمل الوزارة بالتعاون مع الهيئة العامة للمنافذ والجمارك على محاربة هذه الظاهرة لحماية المال العام، وتم اتخاذ إجراءات منها إعادة فرض السلفة الضريبية. وحذر برنية من أن وراء كل مستورد وهمي تاجر أو صناعي فاسد ومخلص جمركي فاسد يسهل التهرب الضريبي، مؤكدًا أن السياسات تقوم على تشجيع الامتثال ومكافأة الملتزمين ومعاقبة المتهربين والتشهير بهم. أصدر الوزير قرارًا شدد بموجبه العقوبات بحق من يسهل عمل المستوردين الوهميين، وحظر على المخلص الجمركي القيام بأعمال التخليص دون التحقق الفعلي من هوية المستورد الحقيقي، وألزم بالحصول على تفويض موثق. يعتبر المخلص الجمركي شريكًا مسؤولًا بالتضامن في جرم التهرب الضريبي إذا امتنع عن تطبيق إجراءات التحقق أو احتفظ بسجلات تثبت تسلم أتعاب من غير المستورد المذكور، أو تعمد تنظيم بيانات بأسماء وهمية.
لا تقتصر قضية المستورد الوهمي على التهرب الضريبي والجمركي، بل قد تمتد إلى مخاطر أكبر تمس نزاهة النظام المالي، مثل غسل الأموال وإخفاء المستفيد الحقيقي والالتفاف على العقوبات عبر شركات واجهة، بحسب الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم. ورغم أن وجود مستورد وهمي لا يعني بالضرورة وقوع جريمة غسل أموال، إلا أنه يمثل مؤشرًا مرتفع المخاطر يستوجب التحقق والتدقيق. يكمن الحل في بناء منظومة متكاملة تعتمد على التحقق من المستفيد الحقيقي، وتطبيق إجراءات "اعرف عميلك" (KYC)، وربط بيانات الجمارك بالمصارف والضرائب والسجل التجاري، وفحص قوائم العقوبات قبل إتمام أي عملية تجارية. تهدف هذه الإجراءات إلى بناء بيئة تعاملات آمنة والتأكد من قانونية الأنشطة المالية، وتتضمن ثلاثة أركان: برنامج تحديد هوية العميل، والعناية الواجبة تجاه العملاء، والمراقبة المستمرة. يعتبر إخفاء المالك الحقيقي من أبرز مؤشرات الاشتباه في جرائم غسل الأموال، وفقًا لمعايير مجموعة العمل المالي (FATF). بناء منظومة رقابية محكمة على أعمال الاستيراد يرفع مستوى الثقة بالاقتصاد السوري ويعزز قدرة المصارف السورية على بناء علاقات مراسلة مع البنوك المركزية العالمية، ويمنح المستثمرين بيئة أعمال أكثر شفافية واستقرارًا.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد