القوى الجوية السورية: بين إرث الماضي وتحديات الحاضر وإعادة التأهيل


هذا الخبر بعنوان "سلاح الجو السوري.. القدرات المتبقية وإمكانية التأهيل" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل مساعي هيكلة الجيش السوري، تولي وزارة الدفاع اهتمامًا متزايدًا بسلاح الجو، الذي عانى من دمار وتغييرات بنيوية جعلته عاجزًا عن القيام بأدواره الدفاعية والهجومية في بلد لا يزال محاطًا بالأخطار الداخلية والخارجية بعد حرب دامت 14 عامًا. وفي 23 يوليو الماضي، أعلنت الوزارة تخريج 1000 ضابط صف من الكلية الجوية في استعراض عسكري بقاعدة “خالد بن الوليد” الجوية (مطار كويرس العسكري سابقًا) بريف حلب الشرقي، تضمن طلعات جوية لطائرات تدريبية. أظهر التسجيل الذي نشرته الوزارة استخدام طائرات “Aero L-39 Albatros”، المعروفة محليًا بـ “اللام” أو “لام 39”، وهي طائرات تدريب نفاثة سريعة الحركة، وطائرات استطلاع تكتيكي، ومقاتلة دعم أرضي خفيفة. هذا الطراز، الذي استخدمه النظام السابق بشكل محدود في بداية الثورة نظرًا لقدراته القتالية المحدودة، تعرض لإسقاطات عديدة من قبل فصائل المعارضة بسبب ضعف مناورته واضطراره للتحليق المنخفض. كما ظهرت خلال الاستعراض طائرات عمودية وطائرة نقل مدنية، دون عروض قتالية واضحة.
يشير حديث قائد القوى الجوية، العميد عاصم الهواري، وطبيعة الاستعراض إلى أن مهام الضباط الخريجين تتركز على الأمور الفنية، مع غياب المظاهر القتالية. صرح الهواري بأن الدورات تهدف إلى تخريج ضباط فنيين لصيانة سلاح الجو والحفاظ على جاهزيته ليكونوا درعًا للوطن. يثير هذا الوضع تساؤلات حول قدرة المؤسسة العسكرية على بناء منظومة جوية قوية في ظل التهديدات، خاصة من إسرائيل التي دمرت أجزاء كبيرة من قدرات الجيش السوري، بما في ذلك منظومات الدفاع الجوي. امتنعت وزارة الدفاع عن التصريح لـ “عنب بلدي” حول هذا الملف.
من جهته، يرى الخبير العسكري، العقيد خالد المطلق، صعوبة بناء سلاح طيران فعال في ظل عقيدة عسكرية جديدة، مشيرًا إلى أن تخريج 1000 ضابط صف لا يعني بالضرورة قدرتهم على العمل كطيارين في المستقبل، وقد يقتصر دورهم على الأعمال الإدارية أو الحراسة. وأوضح المطلق أن بناء سلاح الجو يتطلب أسسًا علمية، وأن المتطوعين يحتاجون إلى دراسة لسنوات في مجالات العلوم الأساسية واللغات، خاصة وأن السلاح السوري شرقي. ويقدر أن إعادة تأهيل السلاح الجوي تتطلب وقتًا طويلاً، قد يمتد لثلاث سنوات على الأقل، وأن سوريا لن تتمكن من مجاراة أسلحة الجو الإقليمية، وخاصة إسرائيل، خلال السنوات الخمس المقبلة. لا يرى المطلق أن الأسس الحقيقية لبناء سلاح جوي قوي تُبنى حاليًا، وأن ما يتم هو مجرد بناء شكلي لا علاقة له بمنظومة حقيقية، باستثناء خبرات بعض الطيارين المنشقين. وأكد أن بناء سلاح جوي قادر على حماية البلاد يتطلب تراكم خبرات طويلة ومؤسسات علمية حقيقية.
يتفق الباحث في “المركز السوري لدراسات الأمن والدفاع” (مسداد)، لورانس الشمالي، مع فكرة تكامل سلاح الجو مع منظومات الدفاع الجوي، وأن سوريا بحاجة إلى منظومة دفاع جوي حديثة ومتكاملة. وأشار إلى أن قدرة سلاح الجو السوري الحالية، دفاعيًا وهجوميًا، محدودة في العمليات التكتيكية لتحييد أهداف ثابتة أو إعاقة تقدم قوات معادية، نظرًا لطبيعة السلاح والأزمات التي تعرض لها القطاع. وأضاف أن سلاح الجو سلاح علمي يتطلب مواكبة التطور التكنولوجي العالي ودخول الذكاء الاصطناعي في العمليات الجوية.
يواجه قطاع الدفاع الجوي وسلاح الجو السوري تحديات كبيرة تتمثل في نوعية السلاح المتوفر، ونقص منظومات الإنذار المبكر وصواريخ أرض- جو، وتدني جودة الطائرات العسكرية المتوفرة، وعدم توفر قطع الغيار، وعدم مواكبتها للطائرات المتقدمة لدى دول المنطقة مثل تركيا وإسرائيل. كما يشكل تطور منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية تحديًا كبيرًا يحد من قدرة سلاح الجو السوري على شن عمليات هجومية. وأوضح العقيد المطلق أنه لم تدخل أي قطع غيار للطائرات منذ عام 1998، مما أدى إلى ترهل واضح في السلاح الجوي والدفاع الجوي. وأكد أن حماية سيادة سوريا تتطلب بناء صرح حقيقي لجميع أنواع الأسلحة، التي تحتاج إلى إعادة بناء لأنها شبه منهارة.
من جانب آخر، لا يمتلك سلاح الجو السوري قدرات واسعة لشن عمليات استهداف جوي واسعة النطاق، لكنه قادر على المناورة في عمليات تكتيكية تستهدف أهدافًا ثابتة ويمكن أن يشكل إعاقات دفاعية، وفقًا للشمالي. ويربط العقيد المطلق ملف شراء الأسلحة وتطوير الجيش بالقرار السياسي والعقيدة العسكرية المتبعة. ورغم أن روسيا يمكن أن تمنح سوريا أسلحة بشروط، إلا أنها لن تمنحها منظومة دفاع جوي قادرة على حماية الأجواء السورية من الخطر الخارجي، خاصة من إسرائيل.
تمتلك سوريا منظومة طيران متواضعة، بينها مطارات ورثتها عن التركة الفرنسية. وتشير الإحصائيات إلى فقدان السلاح الجوي السوري لأكثر من 120 طائرة، ما بين حربية ومروحية، خلال سنوات الثورة، بينما تشير إحصائيات أخرى إلى نحو 200 طائرة. وقد تكبدت القوات الجوية خسائر مؤكدة بلغت 55 طائرة و57 مروحية على الأقل، أُسقطت أو تحطمت، بالإضافة إلى 28 مروحية و51 طائرة أخرى أُخرجت من الخدمة على الأرض. ورغم أن هذا السلاح شكل عامل حسم لصالح النظام السابق، إلا أنه فقد قدرته على حسم المعارك في أيامه الأخيرة. وبعد سقوط النظام، أجهزت إسرائيل على معظم قدرات الجيش، لا سيما منظومة الدفاع الجوي والمطارات الحربية. استخدمت السلطات السورية الجديدة السلاح الجوي في مسارات ثلاثة: استعراضات معنوية رمزية، استخدام محدود للحوامات العسكرية لأغراض عسكرية، وخدمات مثل المساعدة في إطفاء الحرائق.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة