سوريا وإسرائيل: مفاوضات غير مباشرة تحت المجهر بعد تصريحات الشرع


هذا الخبر بعنوان "بناء على تصريحات الشرع.. أي مفاوضات تخوضها سوريا وإسرائيل؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
فتحت تصريحات الرئيس السوري، أحمد الشرع، الأخيرة، خلال مقابلة تلفزيونية، الباب أمام نقاش معمق حول مستقبل العلاقات بين سوريا وإسرائيل. جاءت هذه التصريحات عقب حديثه عن وجود مفاوضات غير مباشرة تهدف إلى منع التصعيد، وتأكيده على سعي دمشق لاستعادة حقوقها عبر المسارات السياسية والدبلوماسية. منذ سقوط نظام الأسد، دخلت دمشق وتل أبيب في مسار من الاتصالات غير المباشرة، تركزت بشكل أساسي على الملف الأمني في جنوب سوريا، في ظل التوغلات الإسرائيلية المتكررة داخل الأراضي السورية.
شهدت هذه الاتصالات بحثًا حول إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974، بهدف ضبط الحدود ومنع التصعيد، بالإضافة إلى المطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي دخلتها بعد سقوط النظام. وقد أكد وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في مناسبات متعددة، على وجود مفاوضات مع الجانب الإسرائيلي برعاية أمريكية، مشيرًا إلى أن دمشق تسعى إلى اتفاق يحفظ سيادتها وحقوقها، وليس تفاهمات منفصلة عن القضايا الوطنية السورية.
تتزامن تصريحات الرئيس الشرع الجديدة مع التغيرات السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة، مما يثير تساؤلات حول طبيعة أي تفاهمات محتملة بين دمشق وتل أبيب، وحدود ما يمكن أن تقبله سوريا سياسيًا. كما يُطرح تساؤل حول ما إذا كانت التصريحات الأخيرة تعكس تحولًا في مقاربة الملف الإسرائيلي أم أنها جزء من استراتيجية سياسية مرتبطة بالمرحلة الانتقالية والتوازنات الإقليمية الراهنة. ويفتح هذا الملف الباب أمام قراءة أوسع للتحديات التي قد تواجه أي مسار تفاوضي مستقبلي، سواء على المستوى الداخلي السوري أو ضمن إطار الحسابات الإقليمية والدولية المتعلقة بالصراع العربي-الإسرائيلي.
الحاجة إلى خطاب وسطي
يرى الكاتب والباحث السياسي درويش خليفة أن تصريحات الرئيس الشرع حول إمكانية التوصل إلى اتفاقية أمنية مع إسرائيل، وما قد يتطور لاحقًا إلى اتفاق سلام، تأتي في سياق يفرض على سوريا تبني خطاب “وسطي ومعتدل” في المرحلة الراهنة، خاصة في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية واستمرار التوغلات العسكرية. وأوضح خليفة في حديثه إلى عنب بلدي أن الواقع السوري الحالي لا يسمح بخطاب تصعيدي تجاه إسرائيل، نظرًا لعدم اكتمال هيكلية الجيش السوري ووجود هشاشة أمنية داخلية، بالإضافة إلى انشغال القوى الإقليمية بملفات أخرى مثل التطورات المتعلقة بإيران والممرات المائية في المنطقة.
وأضاف خليفة أن سوريا لا تمتلك حاليًا موازين قوى متكافئة مع إسرائيل، التي تتمتع بإمكانات عسكرية وتكنولوجية متقدمة، مما يجعل خيار المواجهة العسكرية غير واقعي في الظروف الحالية، ويفرض التوجه نحو خطاب تصالحي يهدف إلى تحقيق أقصى قدر ممكن من المكاسب السياسية والأمنية. وتتمثل الأولوية السورية في الوقت الراهن، وفقًا لخليفة، في وقف الاعتداءات الإسرائيلية والعمل على انسحاب إسرائيل من المناطق التي توغلت فيها، مشيرًا إلى أن اقتراب انتخابات الكنيست الإسرائيلي خلال الأشهر المقبلة يجعل الخطاب المتشدد هو السائد داخل إسرائيل لاستقطاب أصوات التيارات اليمينية والمتطرفة.
شرعية سياسية
يشير خليفة إلى أن الحديث عن اتفاقية أمنية لا يعني بالضرورة الانتقال المباشر إلى اتفاق سلام شامل، موضحًا أن مثل هذه المسارات قد تتطور تدريجيًا على مدى سنوات، وبما يتوافق مع المصلحة الوطنية السورية ومقتضيات القضية السورية. وأكد أن اتفاقًا سياسيًا بهذا الحجم لا يمكن أن يكون قرارًا للسلطة الحالية وحدها، بل يتطلب شرعية سياسية ومؤسسات منتخبة، بما في ذلك وجود برلمان منتخب قادر على التصويت والتصديق على مثل هذه الاتفاقيات. كما شدد خليفة على ضرورة إجراء مشاورات مع الدول العربية، وعلى رأسها مصر والأردن والسعودية، إلى جانب التشاور مع الحلفاء الإقليميين، وفي مقدمتهم تركيا، قبل اتخاذ أي خطوات تتعلق بالعلاقة مع إسرائيل. وتدفع الضغوط الأمريكية السلطات السورية نحو تطوير العلاقة مع إسرائيل، بالتوازي مع وجود رفض شعبي واسع لأي شكل من أشكال التطبيع، مما يستوجب أخذ مختلف الاعتبارات السياسية والشعبية بعين الاعتبار، وفقًا لخليفة. سيبقى شكل العلاقة المستقبلية بين سوريا وإسرائيل مرتبطًا بمآلات التحولات الإقليمية، ولا سيما النتائج النهائية للحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية، التي ستسهم في رسم ملامح التوازنات الجديدة في المنطقة.
إرهاب دولة
من جانبه، يرى المحلل السياسي أحمد القاسم أن تصريحات الرئيس الشرع حول إمكانية التوصل إلى اتفاقية أمنية مع إسرائيل تعكس قراءة واقعية للمتغيرات السياسية والأمنية في المنطقة، في ظل ما وصفه بحالة عدم الاستقرار الناتجة عن التوترات الإقليمية والتدخلات العسكرية المتكررة. وقال القاسم في حديثه إلى عنب بلدي إن المنطقة تعيش تحديات أمنية كبيرة، سواء على صعيد النفوذ الإيراني خلال السنوات الماضية أو التوغلات الإسرائيلية المتكررة وانتهاكات السيادة السورية، معتبرًا أن ما تقوم به إسرائيل من عمليات عسكرية داخل الأراضي السورية وتدخلات في شؤون دول المنطقة يندرج ضمن ما وصفه بـ”إرهاب الدولة”.
ويعتقد القاسم أن أي اتفاق أمني يعيد الأمور إلى إطار اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 من شأنه أن يساهم في تهدئة المنطقة، مشيرًا إلى أن سوريا تسعى منذ المرحلة الانتقالية الحالية إلى تحقيق الاستقرار والسلام بما يتيح لها الانطلاق في عملية إعادة البناء. ولفت القاسم إلى أن الرئيس الشرع كان واضحًا عندما تحدث عن إمكانية تحقيق السلام دون التنازل عن الحقوق السورية في الجولان المحتل، معتبرًا أن أي حديث عن السلام مع إسرائيل يجب أن يكون ضمن إطار يحفظ الحقوق الوطنية السورية.
تثبيت حالة الاستقرار
وأوضح القاسم أن الحديث المطروح حاليًا لا يتعلق بتطبيع العلاقات بالمعنى التقليدي، بل يهدف إلى تثبيت حالة من الاستقرار ومنع الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية. وبيّن أن أبرز المكاسب السياسية والأمنية لأي اتفاق من هذا النوع تتمثل في تأمين الحدود السورية ووقف التوغلات الإسرائيلية، بما ينعكس إيجابًا على استقرار المنطقة بأكملها ويحد من التدخلات في الشأن السوري. الملفات التي ستُطرح في أي مفاوضات مستقبلية ستكون ذات طابع أمني بالدرجة الأولى، وفي مقدمتها انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي السورية التي دخلتها عقب سقوط نظام الأسد، إضافة إلى وضع ضوابط أمنية تمنع أي تدخلات مستقبلية. واعتبر أن ملف الانسحاب الإسرائيلي لا يمكن فصله عن أي اتفاق محتمل، إذ يشكل، بحسب رأيه، أساس العملية التفاوضية، وهو ما أكد عليه الرئيس الشرع في أكثر من مناسبة. وأكد القاسم أن اتفاقية السلام، إن طُرحت مستقبلًا، تحتاج إلى وجود مؤسسات تشريعية منتخبة وإجراءات دستورية واستفتاءات شعبية، وأن ما يجري الحديث عنه حاليًا يقتصر على اتفاقية أمنية، وأن أي اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل ستكون له انعكاسات واسعة على استقرار الإقليم ونموه الاقتصادي.
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة