انخفاض أسعار الخضراوات في الحسكة: المستهلكون يربحون والمزارعون يخسرون


هذا الخبر بعنوان "انخفاض أسعار الخضراوات بالحسكة.. مؤونة أوفر ومزارع يدفع الثمن" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت أسواق محافظة الحسكة خلال الموسم الحالي انخفاضًا ملحوظًا في أسعار معظم أصناف الخضراوات، مما انعكس بصورة متباينة على المستهلكين والمزارعين. فبينما وجد المستهلكون فرصة لتأمين احتياجاتهم اليومية وتحضير مؤونة الشتاء بتكلفة أقل، تكبد المزارعون خسائر كبيرة دفعت بعضهم إلى ترك محاصيلهم في الحقول بدلًا من جنيها، نظرًا لأن تكلفة القطاف والنقل والتسويق أصبحت أعلى من سعر البيع.
يأتي هذا التراجع في ظل وفرة الإنتاج المحلي وتزامن نضج المحاصيل الصيفية. إلا أن غياب أسواق تصريف مستقرة وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي جعلا الأسعار تهبط إلى مستويات يقول مزارعون إنها “أقل من تكلفة الإنتاج”، ما يهدد استمرار كثير منهم في زراعة الخضراوات خلال المواسم المقبلة.
تشهد أسواق مدينة الحسكة وريفها تراجعًا في أسعار معظم أصناف الخضراوات. يتراوح سعر كيلو البندورة بين 1500 و2500 ليرة سورية، والخيار بين 2000 و3000 ليرة، والكوسا والبطاطا بين 4000 و5000 ليرة. بينما يباع البقدونس بنحو ألف ليرة للربطة، والفليفلة بنحو 3000 ليرة، والباذنجان بنحو 4000 ليرة، والجبس بنحو 2000 ليرة، والبطيخ الأصفر بنحو 2000 ليرة للكيلوغرام.
في المقابل، حافظت بعض الأصناف على أسعار أعلى نسبيًا، مثل البامية والفاصولياء اللتين تباعان بنحو 15000 ليرة للكيلوغرام، نتيجة محدودية الإنتاج مقارنة ببقية المحاصيل. ويؤكد باعة في الأسواق أن الأسعار الحالية تعد من الأدنى خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي زاد من حركة الشراء، خاصة مع إقبال الأسر على شراء كميات كبيرة من البندورة والفليفلة والباذنجان والخيار لإعداد رب البندورة والمخللات والمجففات وغيرها من مؤونة الشتاء.
على الجانب الآخر، تبدو الصورة مختلفة تمامًا لدى المزارعين، الذين يرون أن انخفاض الأسعار أصبح مصدر خسائر متراكمة تهدد استمرارهم في هذا القطاع. مزارع الخضراوات محمد إسماعيل من ريف عامودا، قال لعنب بلدي، إن الموسم الحالي كان من أصعب المواسم التي مرت عليه، رغم جودة الإنتاج ووفرة المحاصيل. وأضاف أن زراعة الخضراوات “أصبحت أقرب إلى المقامرة”، موضحًا أنه أنفق نحو 6000 دولار على الموسم بين شراء الشتول والأسمدة والمبيدات وأجور العمال والمحروقات وتكاليف الري، لكنه لم يسترد سوى نحو 2000 دولار حتى الآن.
واعتبر أن الأسعار الحالية لا تغطي حتى جزءًا من تكاليف الإنتاج، مشيرًا إلى أن بيع صندوق البندورة أو الخيار لا يكفي أحيانًا لتغطية أجرة نقله إلى سوق “الهال”. وأضاف أن كثيرًا من المزارعين باتوا يتخذون قرارًا بترك المحصول في الأرض، لأن قطافه يحتاج إلى عمال وصناديق “فلين” وأجور نقل، وعند حساب هذه النفقات تصبح الخسارة أكبر من ترك المحصول حتى يتلف. وأشار إلى أن الموسم الزراعي لا يقتصر على بضعة أشهر، بل يبدأ من تجهيز الأرض وشراء البذار أو الشتول، ثم عمليات التسميد والمكافحة والري والتعشيب والمتابعة اليومية، وهي جميعها مصاريف تراكمت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة. ولفت إلى أن ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، مقابل انهيار أسعار البيع، جعل المزارع الحلقة الأضعف في السوق، إذ يتحمل كامل المخاطرة دون وجود أي آلية تضمن له حدًا أدنى من الأرباح.
من جهته، قال مزارع الخضراوات جاسم القاضي من ريف الحسكة الجنوبي، إن المشكلة لا تكمن في وفرة الإنتاج بحد ذاتها، وإنما في غياب التخطيط الزراعي وآليات تسويق المحاصيل. وأضاف أن المزارع عندما يبدأ الموسم لا يعرف السعر الذي سيبيع به إنتاجه بعد أشهر، فيستثمر أمواله على أمل تحقيق عائد مناسب، لكنه يتفاجأ عند الحصاد بانهيار الأسعار. وأصبحت تكلفة إنتاج كيلوغرام واحد من بعض الأصناف أعلى من سعر بيعه في الأسواق، بحسب جاسم، ما يعني أن كل كمية يبيعها تحقق له خسارة إضافية بدل الربح. وأشار إلى أن أجور العمال ارتفعت، وكذلك أسعار الأسمدة والمبيدات والوقود، فضلًا عن تكلفة تشغيل مضخات الري وصيانة منظومات الطاقة الشمسية المستخدمة في الزراعة، وهو ما رفع تكلفة الموسم بصورة كبيرة. وبيّن أن بعض المزارعين فضّلوا بالفعل عدم قطاف أجزاء من محاصيلهم، لأن أجرة العمال وصناديق التعبئة والنقل إلى الأسواق ستجعل الخسائر مضاعفة. وأضاف أن استمرار هذه الأوضاع قد يدفع عددًا من المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو العزوف عن زراعة الخضراوات مستقبلًا، ما قد يؤدي لاحقًا إلى انخفاض الإنتاج وعودة الأسعار إلى الارتفاع.
في المقابل، استقبلت كثير من الأسر في الحسكة انخفاض الأسعار بارتياح، معتبرة أنه أتاح لها فرصة لم تكن متاحة في الأعوام السابقة، حين كانت أسعار الخضراوات المرتفعة تحول دون إعداد كميات كافية من مؤونة الشتاء. نورة الخلف وهي من سكان مدينة الحسكة، قالت إن انخفاض أسعار البندورة والفليفلة والباذنجان شجعها هذا العام على شراء كميات كبيرة وتحويلها إلى رب بندورة ومخللات وتجفيف بعض الأصناف لاستخدامها خلال فصل الشتاء. وأضافت أن الأسرة كانت خلال السنوات الماضية تكتفي بكميات محدودة بسبب ارتفاع الأسعار، أما هذا الموسم فأصبح بالإمكان شراء عشرات الكيلوغرامات بتكلفة مقبولة مقارنة بالدخل. وأشارت إلى أن إعداد المؤونة يمثل وسيلة لتخفيف الأعباء المالية خلال الشتاء، عندما ترتفع أسعار الخضراوات عادة أو يقل توفرها في الأسواق.
بدورها، قالت ليلى السالم، إن انخفاض الأسعار انعكس مباشرة على ميزانية الأسرة، إذ أصبح بإمكانها شراء احتياجاتها اليومية إضافة إلى تخزين جزء منها. وأضافت أن كثيرًا من العائلات استغلت هذه الفترة لإعداد رب البندورة وتجفيف البامية والباذنجان، فضلًا عن تجهيز مختلف أنواع المخللات. انخفاض الأسعار منح الأسر شعورًا بالاستقرار، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، بحسب ليلى، لكنه في الوقت نفسه يثير القلق عندما يسمع المستهلك أن المزارعين يبيعون بخسارة، لأن استمرار ذلك قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج في السنوات المقبلة.
يرى مزارعون أن الأزمة الحالية تكشف خللًا في العلاقة بين الإنتاج والتسويق، إذ لا يستفيد المنتج من الأسعار المرتفعة عند زيادة الطلب، كما لا يجد حماية عندما تنهار الأسعار نتيجة وفرة الإنتاج. وقالوا إن معظمهم يعتمد على بيع إنتاجه مباشرة في سوق “الهال” أو عبر تجار الجملة، دون وجود جهات تشتري المحاصيل بأسعار تضمن استرداد تكاليف الإنتاج على الأقل. واعتبروا أن غياب منشآت التصنيع الغذائي والتخزين والتبريد يحرمهم من إمكانية الاحتفاظ بالمحاصيل لحين تحسن الأسعار، ما يجبرهم على بيعها فورًا بسبب طبيعتها سريعة التلف. وبات المزارع يتحمل منفردًا تكلفة شراء الشتول والأسمدة والمبيدات والمحروقات والري والأيدي العاملة وصناديق التعبئة والنقل، بينما لا يمتلك أي وسيلة للتحكم بسعر البيع النهائي، وفق ما رواه فلاحون لعنب بلدي. وحذروا من أن استمرار هذه الظروف قد يدفع عددًا منهم إلى تقليص المساحات المزروعة في المواسم المقبلة أو التوقف عن زراعة بعض الأصناف، وهو ما قد يؤدي مستقبلًا إلى تراجع الإنتاج المحلي وتقلبات أكبر في الأسعار، مطالبين بمنظومة تسويق أكثر كفاءة، وآليات تضمن تحقيق حد أدنى من العائد للمزارع، بما يحافظ على استمرار العملية الزراعية ويوازن بين مصالح المنتجين والمستهلكين في آن واحد.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد