طرطوس تزدهر بالذهب الأحمر: 18 دونمًا من الزعفران تبشر بمستقبل واعد


هذا الخبر بعنوان "طرطوس تدخل عالم الزعفران بـ18 دونمًا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد القرى الجبلية في محافظة طرطوس إقبالاً متزايداً من المزارعين على زراعة الزعفران، بدعم فني وإرشادي حكومي يهدف إلى توسيع نطاق هذه الزراعة القيمة في ريف المحافظة. بدأت هذه التجربة قبل سبع سنوات في منطقة الدريكيش، وتوسعت تدريجياً لتصل المساحة الإجمالية المزروعة حالياً إلى 18 دونماً، منها 15 دونماً في قرية بيت يوسف، بالإضافة إلى حيازات فردية صغيرة في منطقة القدموس. يعمل حالياً نحو عشرة مزارعين على الاعتناء بهذا المحصول الثمين، وقد نجحوا في زراعة ما يقدر بنحو طنين من "الأبصال" (الكورمات).
في إطار السعي لتطوير هذه الزراعة، تقود مديرية الزراعة بالتعاون مع منظمة "أكساد" والهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية خطة لدعم المزارعين "مجانًا". يشمل هذا الدعم تقديم "الكورمات" في مناطق مستهدفة مثل قرية التلة بمنطقة الشيخ بدر، وتنظيم أيام حقلية ودورات تدريبية مكثفة لتمكين المزارعين من إتقان المعاملات الزراعية الصحيحة للمحصول.
على الرغم من الحماسة، لا تزال زراعة الزعفران في طرطوس في إطارها التجريبي، ولم تدخل بعد في الإحصاءات الرسمية لوزارة الزراعة. تسير التجربة في مرحلتها الثانية وفق خطة زمنية وضعتها لجنة وزارية متخصصة، تركز على التوسع الأفقي بنشر المحصول في أرياف طرطوس، وتعد القرى الجبلية الملائمة مثل الدريكيش والشيخ بدر والمحيلبة الحاضنة الكبرى لهذه النبتة. يواجه المزارعون تحديات تتمثل في تكلفة العمالة المرتفعة، والقلق من العقبات التسويقية وصعوبة تصريف المنتج مستقبلاً.
من الناحية الاقتصادية، يتطلب الدونم الواحد زراعة ما بين 50 و60 ألف "كورمة"، لينتج بعد ثلاث سنوات ما بين كيلوغرام وثلاثة كيلوغرامات من المياسم الجافة. يبلغ سعر الكيلوغرام الواحد حالياً حوالي 450 ألف ليرة سورية جديدة (ما يعادل نحو 3400 دولار أمريكي). يعتبر العائد الاقتصادي للمشروع مجزياً للغاية مقارنة بالمحاصيل التقليدية، حيث تتضاعف أعداد وأوزان "الكورمات" سنوياً، ويستمر إنتاج الأزهار لمدة ثلاث إلى أربع سنوات.
يقر مدير الزراعة بغياب الآليات التنفيذية لمنح القروض الميسرة أو إطلاق المشاريع التنموية المخصصة لزراعة الزعفران، ويجري البحث عن سبل دعم المزارعين والتخفيف من تكاليف التأسيس المرتفعة بالتعاون مع هيئة المشاريع المتوسطة والصغيرة. يوصى بالاعتماد على الروث الحيواني المتخمر أو "الكومبوست" المصنّع، مع ضرورة جودة التخمير وخلوه من البذور الضارة. لا توجد صناديق متخصصة حالياً داخل وزارة الزراعة لدعم الأسمدة العضوية، ويقتصر دور المديرية على تقديم التوعية الإرشادية.
تم تنفيذ تجارب ناجحة في محطتي سرغايا بريف دمشق والبريج في ريف حمص. بالنسبة لمحافظة طرطوس، بدأت الخطوة الأولى بحصر الأصناف البرية المحلية في المناطق الجبلية التي يتراوح ارتفاعها بين 600 و1200 متر عن سطح البحر. الموعد الأمثل للزراعة هو أواخر فصل الصيف مع أولى الهطولات المطرية. تقوم الوحدات الإرشادية بجمع عينات من تربة حقول المزارعين لإخضاعها للتحليل المخبري، وتقديم إرشادات دقيقة حول تعديل خواص التربة لضمان تهوية مثالية لـ"الكورمات" وحمايتها من التعفن. البيئة الأكثر ملاءمة هي الأراضي الجبلية والمدرجات التي ترتفع عن سطح البحر لأكثر من 300 إلى 400 متر، بشرط أن تكون التربة جيدة التصريف. يُنصح بالتركيز على مناطق مثل الدريكيش ومشتى الحلو وبصيرة الجرد، مع التحذير من الزراعة في المناطق المنخفضة والرطبة.
تمثل معضلة التسويق العقبة الأبرز التي تواجه المزارعين، وغياب آلية رسمية متكاملة تضمن حمايتهم. تبذل مديرية الزراعة جهوداً للتنسيق مع القطاع الخاص وتشجيع تأسيس جمعيات تعاونية زراعية لتجميع الإنتاج وتفعيل التفاوض الجماعي، للحد من احتكار التجار وضمان أسعار عادلة.
لمواجهة التحديات المناخية، يتطلب نبات الزعفران كميات مياه متوسطة. في حال تأخر الهطولات المطرية، يُنصح بتقديم "رية" أو "ريتين" بتقنية "التنقيط" فور الانتهاء من الزراعة. يُفضل تبكير موعد الزراعة ليكون في الأول من أيلول كإجراء احترازي عند تأخر فصل الشتاء، مع التأكيد على أهمية السقاية الموضعية. يُحذر من الاعتماد الكلي على الري بالتنقيط طوال الموسم.
يجري العمل على توثيق الروابط مع شركات الأدوية ومستحضرات التجميل المحلية للاستفادة من القيمة المضافة العالية للزعفران. يتطلب نجاح هذا التنسيق توفير كميات إنتاجية ضخمة ومستويات جودة موحدة وموثوقة.
تتضمن الخطط المستقبلية إنشاء معامل صغيرة أو وحدات تصنيع ريفية مركزية لتجميع الأزهار وتجفيفها وتعبئتها وفقاً لمواصفات قياسية، مما يسهل التسويق ويرفع جودة المنتج النهائي. يتطلع مدير زراعة طرطوس إلى جذب استثمارات حقيقية وإرساء تنظيم دقيق لجهود المزارعين، وبناء شراكة متكاملة بين الأطراف المعنية. يتجاوز الزعفران تصنيفه كتوابل فاخرة ليصبح "ذهب أحمر" ذي قيمة اقتصادية وعلاجية وثقافية استثنائية، وتتمتع سوريا بفرصة لتعزيز مكانة هذا المنتج.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد