الصحافة الاستقصائية في سوريا: تراجعٌ في الأداء وتحدياتٌ تواجه السلطة الرابعة


هذا الخبر بعنوان "في سوريا.. الصحافة المعمقة بأضعف حالاتها" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن ازدهار الصحافة المعمقة، وخاصة الاستقصائية منها، في سوريا مرتبطًا بالاستقرار الأمني، بل شهدت البلاد إنتاج مئات التحقيقات والاستقصاءات التي هزّت الضمير العالمي خلال 14 عامًا، وهي فترة عمر الثورة التي سقط على إثرها النظام. وقد دخلت هذه التحقيقات في صلب القرار الدولي والعدالة الانتقالية، ونالت إعجاب كبريات المنظمات والمؤسسات والدوائر البحثية.
لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟ يمكن القول إن ما أعقب سقوط النظام شهد تحولًا هائلًا في المعطيات على الأرض، وانكشافًا صريحًا لمجموعة من وسائل الإعلام والمنصات التي عملت معًا لكشف الجرائم والانتهاكات والفساد في "دولة الأسد". إلا أنه تبين لاحقًا وجود تناقض أيديولوجي عصفت بهذه المنصات كما عصفت بالصحفيين أنفسهم، وهي فرضية تتطلب مزيدًا من التمحيص.
من أبرز العوامل المؤثرة أيضًا هو التحول الملحوظ في سياسات المنظمات الداعمة، التي تتأثر بالمزاج السياسي للدول التي تعمل منها أو تحصل على تمويلها منها. هناك تغير كبير في توجهات المنظمات الأوروبية والأمريكية لا يخطئه المراقبون والخبراء. فما كان يُعتبر تهمة لتيار أيديولوجي أو ديني أو راديكالي في الماضي، لم يعد كذلك بمعايير المنظمات الأممية والأطراف الفاعلة دوليًا. يؤثر هذا التغير في برامج دعم الصحافة المستقلة ماليًا، ويدفعها نحو استراتيجيات جديدة للبقاء، وغالبًا ما تتراجع الصحافة خطوة للحفاظ على وجودها.
يلاحظ المتتبع لنشاط الصحافة الاستقصائية تراجعًا في تدفقها، ويعود ذلك لأسباب متعددة. فما شهدته سوريا خلال الفترة ما بعد 8 كانون الأول 2024، شكّل تغييرًا في البنية الاقتصادية والسياسية والأمنية. وفي بلد تعطلت فيه البيئة التشريعية، وعادت مختلف القطاعات لتبدأ من الصفر، وانشغل الصحفيون بترتيب أوراقهم والتأقلم مع البيئة الجديدة، قد يحتاج الأمر إلى مزيد من الوقت للإلمام والمتابعة. ورغم ذلك، لا يزال هناك بعض التحقيقات التي تُنجز، لكنها تواجه ملاحظات تتعلق بالمهنية أو ناتجة عن تشتت ذهني وإعادة تموضع.
قد يبدو ما سبق متناقضًا مع خصائص الصحافة المسؤولة، لكن الصحفيين بشر في النهاية، يتأثرون بما يحيط بهم، ويحتاجون إلى حماية واستقرار، ودلائل وقرائن في بيئة تفتقر إلى المعطيات الرقمية.
تُعرف الصحافة المعمقة بأنها فهم شامل لقضية أو حدث، يتجاوز مرحلة نقل الأخبار إلى تحليل الأسباب وتقدير الآثار المحتملة، بالاعتماد على التحري والتدقيق والمتابعة مع المتخصصين والخبراء، وتقديم الخلفيات والسياقات. ومن أبرز أشكالها الصحافة الاستقصائية، التي تقوم بدور المساءلة وكشف الفساد والانتهاكات، وتقديم معلومات جديدة غائبة عن الرأي العام.
تتطلب الصحافة الاستقصائية عناصر أساسية لاستمرارها ونجاحها، منها الخبرة وامتلاك الأدوات البحثية المناسبة. في سوريا، توجد خبرات محلية جاءت من خارج الحدود لكنها تحتاج إلى توطين، وتظهر فجوة معرفية لدى الكوادر التي أمضت سنوات طويلة في بيئة تعليمية فقيرة أو مؤسسات إعلامية تقوم بدور الدعاية الحكومية.
كما تحتاج إلى وجود أطراف داعمة تؤمن بالصحافة الاستقصائية، سواء من المنظمات أو المؤسسات أو دافعي الضرائب. هذا المسار لا يبدو متوفرًا حاليًا في سوريا، التي تعاني من أزمة اقتصادية تنعكس على المواطنين، ويفتقر فيها الوعي الكافي لأهمية هذا النوع من الصحافة. وليس من الواضح ما إذا كانت التشريعات أو القوانين المنتظرة تدعم صحافة الاستقصاء.
عناصر الحماية والأمن والسلامة ضرورية أيضًا، فالصحافة المسؤولة تُعد خصمًا للفساد، والبيئة الأمنية الهشة تهدد أمن الصحفيين. أما البيئة القانونية، فلم تتبلور بعد الصورة التي ستستقر عليها التشريعات والقوانين الخاصة بقطاع الإعلام. وما لم تكن هناك قوانين تضمن حرية العمل الصحفي والحصانة للصحفيين، فإن ملاحقة الصحفيين أو صانعي المحتوى بسبب نقد السياسات الاقتصادية أو الأمنية ستكون عامل إضعاف وتراجع لصحافة المساءلة.
تُعرف صحافة المساءلة بأنها شريك موثوق يساعد مؤسسات الدولة في الكشف والتصحيح، ما يستوجب توفير بيئة مناسبة لعملها، وتوفير الحماية والدعم والتدريب لكوادرها. وما لم يحصل هذا الدعم، فإن هناك من سيملأ الفراغ من خارج الحدود.
تعتمد كثير من الدول على الصحافة الاستقصائية كأداة فاعلة في كشف الفساد. وفي بلد مثل سوريا، حيث ما زالت قوانينه وبيئته الاقتصادية والسياسية يلفها الغموض، يُعتبر أي تراجع في عمل تلك الصحافة ضربة لدور السلطة الرابعة وأهميتها في خدمة الجمهور وصانع القرار.
علوم وتكنلوجيا
سياسة
سياسة
سياسة