مشاريع الإسكان التشاركية في سوريا: هل تكسر حاجز أزمة السكن أم تزيدها تعقيداً؟


هذا الخبر بعنوان "الاكتتاب يبدأ.. هل تحل المشاريع التشاركية أزمة السكن؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل تفاقم أزمة السكن في سوريا، التي تفاقمت بفعل الدمار الواسع وارتفاع تكاليف البناء وتراجع القدرة الشرائية، تتجه الحكومة نحو تشجيع المشاريع التشاركية مع القطاع الخاص كأحد الحلول المطروحة لدعم قطاع الإسكان والمساهمة في إعادة الإعمار. ويبرز مشروع "أبيات هيلز" في ضاحية قدسيا بريف دمشق، الذي أطلقته المؤسسة العامة للإسكان بالشراكة مع شركة "أبيات" السعودية، كنموذج أول من نوعه، مما يثير تساؤلات حول قدرته على توفير مساكن لذوي الدخل المحدود والمتوسط في بلد يشهد فجوة كبيرة بين أسعار العقارات ودخول السكان.
بينما ترى جهات رسمية أن هذه المشاريع قد تساهم في معالجة جزء من أزمة السكن، يشير خبراء اقتصاديون إلى أن الأسعار المتداولة للوحدات السكنية لا تزال مرتفعة مقارنة بالقدرات الشرائية لغالبية السوريين. مع بدء الإعلان عن الاكتتاب على المشروع في 5 آب الحالي، وفقًا للمنصات الرسمية لوزارة الإسكان والأشغال العامة، يبقى السؤال حول مدى ملاءمته لذوي الدخل المحدود أو أنه مخصص للأغنياء فقط. تفيد المعلومات المتوفرة أن مدة التقسيط لتسديد سعر الوحدة كاملًا هي عامان فقط، ويتراوح سعر المتر بين 950 دولار و 1150 دولارًا، بينما يُتوقع إنهاء المشروع بالكامل خلال أربع سنوات. تتطلب شروط الاكتتاب تسديد دفعة أولى بنسبة 20% من إجمالي سعر المنزل، تليها أقساط تُسدد كل ستة أشهر.
أوضح مدير الاتصال الحكومي في وزارة الأشغال العامة والإسكان، محمد بدوي، أن المشاريع التشاركية لا تستهدف أصحاب الدخل المرتفع فقط، بل تشمل أيضًا ذوي الدخلين المتوسط والمنخفض. وأشار إلى أن مشروع "أبيات هيلز" يتضمن ثلاثة أنواع من الوحدات السكنية: الأبراج السكنية، والأبنية الطابقية، والفلل، مؤكدًا أن الأبراج مخصصة لشريحة أصحاب الدخل المنخفض، وقد يصل سعر الوحدة السكنية فيها إلى نحو 100 ألف دولار لمساحة تصل إلى 100 متر مربع مع إكساء عالي الجودة. وتزداد الأسعار مع زيادة مساحة المنزل، لتتجاوز 300 ألف دولار في بعض الحالات.
وحول إمكانية تنفيذ مشاريع تشاركية مماثلة مستقبلاً، أكد بدوي أن الوزارة تناقش حاليًا عددًا من المشاريع مع مستثمرين محليين وعرب وأجانب، وسيتم الإعلان عنها بعد استكمال الترتيبات اللازمة، سواء داخل دمشق أو في محافظات أخرى. وكان وزير الأشغال العامة والإسكان، مصطفى عبد الرزاق، قد صرح سابقًا بأن المؤسسة العامة للإسكان تمتلك أراضي في مختلف المحافظات السورية، مما يتيح تنفيذ مشاريع مشابهة عبر شراكات استثمارية مع شركات عربية ودولية. ووصف عبد الرزاق مشروع "أبيات هيلز" بأنه ترجمة عملية لمذكرات التفاهم السورية-السعودية.
يطرح نموذج التشاركية بين الدولة والقطاع الخاص سؤالًا أساسيًا حول قدرته على تشكيل مخرج لأزمة السكن لشريحة واسعة من السوريين. يرى رئيس لجنة الاستثمارات والتطوير العقاري في غرفة تجارة دمشق، محمد أورفلي، أن هذا النموذج يمثل خطوة إيجابية للاقتصاد الوطني ويوفر فرص عمل. ويتفق الباحث في الشؤون العقارية، مجدي الجاموس، مع هذا الرأي، معتبرًا أن الشراكات ضرورية في مرحلة إعادة الإعمار لتنشيط الاقتصاد الوطني.
رغم أهمية النموذج التشاركي، تبقى الأسعار المطروحة للوحدات السكنية موضع تساؤل. اعتبر مجدي الجاموس أن الأسعار مرتفعة جدًا بالنسبة للسوريين، لكنها قد تكون منطقية إذا أخذت في الاعتبار تكاليف استيراد المواد الأساسية وجودة الإكساء المتوقعة. وأضاف أن مدة التقسيط المحددة بسنتين لا تتناسب مع ذوي الدخل المنخفض، بل مع أصحاب الدخل المرتفع. ويرى الجاموس أن المشروع سيكون في متناول شريحة أوسع لو كانت الأقساط تمتد بين خمس وعشر سنوات مع ضمانات حكومية كافية.
بالنسبة لاختيار ضاحية قدسيا موقعًا للمشروع، اعتبر الجاموس أن الموقع مناسب استثماريًا وعمرانيًا، لكنه تحفظ على التوسع الشاقولي في المناطق الريفية، مفضلًا التوسع الأفقي في الضواحي والأرياف. وأشار إلى أن نجاح نموذج الأبراج السكنية يرتبط بمدى جاهزية البنية التحتية للمنطقة المحيطة.
تأسست شركة "أبيات" عام 2005، وهي متخصصة في التشطيب والأثاث في منطقة الخليج العربي، ولديها حضور قوي في السوق السعودية. اعتبر الجاموس أن دخولها إلى السوق السورية مؤشر إيجابي على عودة الاهتمام الاستثماري بالقطاع العقاري السوري، لكنه رأى أن مشروع "أبيات هيلز" يبقى محدود الحجم مقارنة بإمكانات الشركة، مرجعًا ذلك إلى رغبة المستثمرين في اختبار السوق السورية.
كشف المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان، تمام دبل، أن الحاجة السكنية الحالية في سوريا تتجاوز 1.3 مليون منزل مدمر، إضافة إلى عجز ناتج عن النمو السكاني يقدر بأكثر من 400 ألف وحدة سكنية. وأوضح أن مشاريع القطاع الخاص والتطوير العقاري وجمعيات التعاون السكني يمكن أن تسهم في تغطية نحو 80% من الاحتياج، بينما تغطي الحكومة النسبة المتبقية. وأكد أن معالجة أزمة السكن ترتبط بتكامل أدوار مختلف القطاعات، وليس انحصار الحل في المؤسسة العامة للإسكان.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد