سوريا بين الانقسام والوحدة: ملف المختطفات يكشف هشاشة المجتمع وضرورة الحقيقة أولاً


هذا الخبر بعنوان "بين “المقاومة” و”المعارضة”: الحقيقة أولًا.. وملف المختطفات نموذجًا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
سوريا، بعد خمسة عشر عامًا من حرب ونزاع مفتوح، وقبلها أربعة عقود من حكم استبدادي وفاسد، تواجه واقعًا هشًا يجعل أي قضية حساسة، مثل ملف النساء والفتيات المختطفات أو المفقودات، قابلة للانزلاق من مسار العدالة إلى وقود لانقسام أهلي جديد. في بلد بهذه الهشاشة، لا مجال للاستقطاب المطلق؛ فالسلم الأهلي والعدالة الاجتماعية ليسا مجرد شعارات، بل هما شرطا بقاء لكل السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والطائفية والعشائرية والمناطقية والسياسية والفكرية.
من هنا، تبرز إشكالية جوهرية في الخطاب السائد تتمثل في الخلط بين مفهومي "المقاومة" و"المعارضة" في التعاطي مع السلطة القائمة. فبينما يرفع البعض شعار "مقاومة" السلطة إلى درجة العداء أو المقاطعة الكاملة، يختلف هذا الخطاب جوهريًا عن المعارضة الرشيدة التي تسعى لمحاسبة السلطة وانتقادها والمطالبة بالإصلاح دون قطع كل قنوات التواصل العملية معها. إن ممارسة المعارضة العقلانية لا تعني الاستسلام، كما أن التواصل مع السلطة الراهنة لا يعني منحها ثقة أو شرعية مفتوحة.
ملف المختطفات والمفقودات السوريات هو مثال دقيق على هذا الالتباس. تتفاوت الأرقام المتداولة حول هذه الحالات بين تحقيقات صحفية وتقارير أممية وحقوقية وتقارير حكومية. هذا التفاوت لا يعني بالضرورة تناقضًا متعمدًا، بل يكشف عن غياب سجل وطني موحد يطابق الأسماء ويتابع المآلات. المطلوب هنا ليس الانفعال أو تبادل الاتهامات المسيئة بين الناشطين ومؤيدي السلطة، بل الدقة والحرفية في التمييز بين المفقودة والمخطوفة والمحتجزة والمخفية قسريًا، وبين ما هو مثبت وما هو غير مثبت.
من هذه الدقة، ينبع وجوب توخي الحذر البالغ في استخدام مصطلح "السبايا" دون دلائل وقرائن مثبتة. هذا ليس تبرئة لأي جريمة، بل لأن هذا المصطلح، عند إطلاقه بشكل تعميمي، يلحق ضررًا مضاعفًا: بالضحايا أنفسهن اللواتي قد يواجهن وصمًا اجتماعيًا لا يستحقنه، وبأسرهن، وبالملف الحقوقي برمته الذي يفقد مصداقيته إذا استُبق بأحكام غير مثبتة، وبالسلم الأهلي، وبالمجتمع العلوي الذي يتحمل أعباء خطاب تعميمي لا يمثله.
إن ربط جرائم الخطف والاغتصاب والاعتداء الجنسي في الوقت الراهن بالدين الإسلامي وبالسلطة الحالية في سوريا، باعتبارها سلطة ذات توجهات سياسية إسلامية، دون إثباتات أو قرائن واضحة، هو أمر مشين لا يجوز تمريره دون انتقاد صريح وصارم، نظرًا لما لهذا المصطلح من وصمة أخلاقية طويلة الأمد، وآثار سلبية جمة على ملف المفقودات السوريات في المقام الأول، وعلى كافة الأطراف السياسية، وعلى سوريا ومجتمعها ككل في نهاية المطاف.
يعيش المجتمع العلوي اليوم بين خوفين: خوف مبرر لدى الأبرياء من الاستهداف أو التمييز الطائفي نظرًا لتاريخ ومنبت السلطة الراهنة، وخوف مختلف في طبيعته من الملاحقة والمحاسبة لدى من كان له صلة فعلية بجرائم النظام السابق. هذا الخوف، على تفاوت أسبابه، يدفع باتجاه الانكفاء والتقوقع داخل الجماعة، وفقدان الثقة بأي مؤسسة وطنية. وملف "المفقودات"، حين يُعالج بخطاب قطعي ويحوّل كل حالة فردية إلى دليل على سياسة ممنهجة أو اتهام شامل، يغذي هذا الخوف بدلًا من معالجته، ويزيد عزلة المجتمع العلوي بدلًا من حمايته.
الخروج من هذه الحلقة لا يكون بإنكار المخاوف أو تضخيمها، بل بخطوات عملية تبني الثقة تدريجيًا نحو مستقبل أفضل لسوريا وكل السوريين. هنا تحديدًا يصبح التعاون المشروط مع الدولة، بأجهزتها الأمنية والقضائية، ضرورة لا خيارًا؛ فهي وحدها من يملك صلاحيات تتبع الاتصالات وتفتيش الأماكن وإصدار مذكرات التوقيف وملاحقة الجناة قانونيًا. الإنكفاء عن هذا التعاون باسم "المقاومة" لا يعاقب السلطة بقدر ما يعاقب الضحية التي لا تجد جهة بديلة تملك هذه الصلاحيات. لكن هذا التعاون، كي يبقى مشروعًا، يجب أن يبقى مشروطًا ومراقبًا: بلاغ آمن، وتوثيق حقوقي مستقل موازٍ، ومساءلة معلنة عن كل تقصير أو تورط، دون أن يتحول إلى استسلام أو رضا بالأداء.
الحقيقة يجب أن تبقى فوق كل موقف سياسي مسبق، وفوق حسابات الصورة والمصلحة الشخصية لأي طرف، ناشطًا كان أم مسؤولًا. وضرورات الواقع السياسي والاجتماعي والدولي لا يمكن تجاهلها؛ فالسلطة القائمة اليوم هي الأمر الواقع الذي تتعامل معه الدول والمؤسسات الدولية، وهذا وصف لواقع سياسي عملي لا حكم على شرعيتها الكاملة ولا إعفاء لها من النقد والمحاسبة. تحكيم العقل، لا الانفعال، هو ما يخدم الضحايا وأهلهن، ويخدم سوريا وأهلها، ويخدم السلم الأهلي والأقليات جميعًا. فالخطاب القطعي غير المسنود بدلائل يضر بكل الأطراف، وعدم المهنية في تناول هذا الملف يضر أولًا بالضحايا وبالناشطين أنفسهم وبالمجتمع العلوي. سوريا، بعد كل ما مرت به، لا تحتمل مزيدًا من القطيعة، وتحتاج إلى عقلانية وصبر وتعاون مشروط يضع الحقيقة والعدالة والسلم الأهلي فوق كل اعتبار آخر.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة