الهوية السورية: ولادة جديدة من رماد الحرب وبحث عن اسم الوطن الأول


هذا الخبر بعنوان "هويةٌ تولد من تحت الركام: صرخةُ وطنٍ يبحث عن اسمه الأول" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تكتفِ الحرب بتمزيق الهوية السورية، بل هشّمت العمود الفقري الذي كان يربط هذا الوطن ببعضه، ليجد السوري نفسه اليوم يعرف ذاته بما تبقى له، لا بما ينتمي إليه. لقد تحولت الجغرافيا السورية إلى جزر متناثرة، كل جزيرة تسعى لخلاصها الخاص؛ مدينة تنكمش خلف أسوارها الإسفلتية، وريف يتمسك بترابه، وطائفة تبني حصونها، وقبيلة ترفع خيمتها، ومنطقة محررة تتحدث بلغة مختلفة عن لغة المنطقة المحاصرة. باتت سوريا أشبه بخارطة للخوف لا بوطن للبشر.
ولكن، بعد انتهاء الحرب وسكون السلاح وعودة الليل إلى طبيعته، يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: كيف نستعيد الهوية السورية الأصيلة دون ارتكاب خيانة جديدة أو السماح للذاكرة بأن تُغتال مرة أخرى؟ إن الهوية الجديدة لا تُصنع في قاعات السياسة، بل تولد من رحم المعاناة، من صرخات الأمهات، ومن وجوه الذين فقدناهم، ومن أكتاف الذين حملوا الوطن دون سؤال. تقوم الهوية الجديدة على الاعتراف الصادق بكل ما حدث، دون تزوير أو إنكار، فالحقيقة هي السلاح الأقوى، وأي وطن يُبنى على الأكاذيب محكوم بالعودة إلى الحرب.
كما تقوم على المصالحة بين المكونات المختلفة، بعيدًا عن الإذلال أو الانتقام، فالمصالحة ليست مجرد لمسة شفاء لجرح غائر، بل هي قرار حاسم بأن الدم لن يكون لغة السياسة مجددًا، وأن الماضي لن يُستخدم كأداة قمع للمستقبل. وتستند الهوية الجديدة إلى الانتماء لدولة تحمي الجميع، لا لجماعة تحمي نفسها. فالجماعة، مهما اتسعت، تظل أصغر من الوطن، والدولة وحدها القادرة على توحيد الريف والمدينة، والطائفة والقبيلة، تحت اسم واحد لا يحتاج إلى تعريف أو تبرير.
الهوية ليست مجرد شعار يُعلق على الجدران، بل هي عقد اجتماعي يضمن عدم إقصاء أحد، وعدم خوف أحد، وعدم استثناء أحد من الوطن. إنه عقد يعيد للسوريين شعورهم بأنهم أبناء نار واحدة، وأن هذه النار ليست حريقًا بل ولادة، وأن هذه الولادة هي السبيل الوحيد نحو سوريا التي لا تُباع ولا تُقسم ولا تُختزل. سوريا التي تعود إلى اسمها الأول، سوريا التي يولد فيها الإنسان حرًا، مواطنًا، جزءًا من هوية أكبر من كل الهويات الصغيرة. هوية تقول بصوت واحد: نحن هنا. نحن أبناء هذه الأرض، مهما حاولت الحرب أن تفرقنا، ومهما حاول الخوف أن يعيدنا إلى جدراننا القديمة. نحن هنا لنكتب هوية جديدة، لا تشبه الماضي ولا تخاف المستقبل، هوية تعيد للسوري اسمه الأول: سوري.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة