اتفاق مكة الدفاعي: هل يفتح الباب لتحالف أمني إقليمي جديد وتتأثر به سوريا؟


هذا الخبر بعنوان "اتفاق مكة.. هل يمهد لتحالف أمني إقليمي جديد وما موقع سوريا منه؟" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثار توقيع اتفاقية الدفاع المشترك بين تركيا والسعودية وباكستان في مكة المكرمة تساؤلات حول مستقبل منظومة الأمن الإقليمي، في ظل تحولات متسارعة في موازين القوى والتحالفات بالمنطقة، وسعي دول عدة لصيغ جديدة لتعزيز أمنها بعيداً عن الاعتماد التقليدي.
تنص الاتفاقية، التي وقعها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في 7 آب/أغسطس 2026، على اعتبار أي هجوم مسلح يستهدف إحدى الدول الثلاث اعتداءً على الدول الأخرى، مما يرسخ مبدأ الدفاع الجماعي.
ورغم تأكيد الدول الثلاث أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها، فإن طبيعته وتوقيته يضعانه ضمن سياق أوسع لإعادة تعريف الأمن الإقليمي، في ظل تصاعد التوترات وتغير حسابات القوى الفاعلة في الشرق الأوسط.
يرى الباحث في العلاقات الدولية وقضايا الأمن الإقليمي عزيز موسى أن اتفاق مكة يمثل "نقطة تأسيسية" في مسار إعادة تشكيل بنية الأمن الإقليمي، موضحاً أن التحولات الأخيرة دفعت دولاً إقليمية لإعادة تقييم أدوات الردع وخياراتها الأمنية.
ويضيف موسى أن الاتفاق يأتي نتيجة مسار طويل من التنسيق بين الدول الثلاث، بدأ بتعاون ثنائي، ولا سيما العلاقات الدفاعية السعودية-الباكستانية، قبل أن ينتقل إلى صيغة ثلاثية تجمع القدرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية.
ويشكل الاتفاق انتقالاً من أشكال التعاون الدفاعي التقليدي إلى إطار يقوم على مبدأ الدفاع المشترك، لكنه لا يعني بالضرورة قيام تحالف عسكري مكتمل، إذ يتطلب ذلك وجود هياكل قيادة مشتركة وآليات واضحة للتنسيق الميداني.
ويشير موسى إلى أن طبيعة الاتفاق تقوم على الردع والدفاع وليس الهجوم، وأن الالتزام الأساسي يتمثل في مساعدة أي دولة عضو في حال تعرضها لاعتداء، وليس الدخول تلقائياً في أي مواجهة تخوضها إحدى الدول.
في محاولة لتوضيح طبيعة الاتفاق، أكد نائب الرئيس التركي جودت يلماز أن اتفاق مكة يهدف إلى تعزيز الردع والاستقرار الإقليمي، وليس موجهاً ضد إيران أو أي دولة أو جهة أخرى.
وقال يلماز إن الاتفاق يشكل آلية لتعزيز التعاون بين الدول الثلاث في مجالات الدفاع والصناعات العسكرية والتنسيق الأمني، مشدداً على أن "الهيكل الجديد لم يُنشأ ضد أحد"، وأن الهدف منه هو تعزيز السلام والاستقرار ومواجهة المخاطر المحتملة.
ويرى موسى أن هذه الرسائل السياسية تعكس رغبة الدول الموقعة في تقديم الاتفاق كإطار دفاعي لا يستهدف تشكيل محور إقليمي ضد طرف معين، مع الحفاظ على قدرة ردع جماعية.
يعتبر موسى أن أهمية الاتفاق تنبع من طبيعة التكامل بين الدول الثلاث، إذ تجمع المظلة الجديدة بين عناصر مختلفة من القوة. فالسعودية تمتلك ثقلاً اقتصادياً وسياسياً، إلى جانب موقعها المحوري في أسواق الطاقة وعلاقاتها الدولية.
أما باكستان فتضيف بعداً عسكرياً واستراتيجياً، بحكم قدراتها العسكرية وخبرتها الأمنية وموقعها الجغرافي الرابط بين جنوب آسيا والشرق الأوسط.
في حين تمثل تركيا قوة إقليمية ذات قدرات عسكرية وصناعات دفاعية متقدمة، إضافة إلى موقع جيوسياسي يربط بين مناطق نفوذ مختلفة.
ويشير موسى إلى أن اجتماع هذه العناصر يمنح الاتفاق وزناً يتجاوز القدرات المنفردة لكل دولة، لكن فعاليته ستبقى مرتبطة بمدى تطوير آليات تنفيذية واضحة.
أثار إعلان تركيا أن باب الانضمام إلى الاتفاق مفتوح أمام دول أخرى تساؤلات حول إمكانية تحوله إلى منظومة أمنية إقليمية أوسع.
وقال نائب الرئيس التركي جودت يلماز إن توسيع الهيكل الجديد سيعتمد على الموقف المشترك للدول الثلاث، لكنه أشار إلى أن انضمام دول جديدة يبقى احتمالاً قائماً، معتبراً أن مصر، على سبيل المثال، دولة ذات أهمية كبيرة لما تمتلكه من وزن عسكري وجغرافي.
ويرى موسى أن إمكانية التوسع تمثل أحد الملفات المهمة في مستقبل الاتفاق، مشيراً إلى أن دولاً مثل مصر وبعض الدول الخليجية قد تكون ضمن الخيارات المطروحة، لكن ذلك سيعتمد على طبيعة الاتفاق وتطور أهدافه.
رغم التأكيدات الرسمية على الطابع الدفاعي للاتفاق، يرى موسى أن أي ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة ستؤثر بالضرورة في حسابات القوى الإقليمية.
ويعتبر أن الاتفاق يعكس رغبة الدول المشاركة في تعزيز قدرتها على الردع وحماية مصالحها، خصوصاً بعد سنوات شهدت استهداف منشآت حيوية وارتفاع مستوى التهديدات الأمنية.
أما بالنسبة لإسرائيل، فيرى أن تأثير الاتفاق سيعتمد على مدى انتقاله من إطار سياسي إلى تعاون عسكري أكثر تنظيماً، مشيراً إلى أن تطور القدرات المشتركة للدول الثلاث قد يؤثر في معادلات الردع الإقليمية.
لا يرى موسى أن الاتفاق يمثل بديلاً فورياً عن الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي، بل يعتبره مؤشراً إلى توجه القوى الإقليمية نحو امتلاك دور أكبر في إدارة أمنها.
ويضيف أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من "تنويع الشراكات الأمنية"، بحيث تستمر العلاقات مع القوى الدولية بالتوازي مع بناء أطر تعاون إقليمية جديدة.
تحظى الاتفاقية بأهمية خاصة بالنسبة إلى سوريا بسبب علاقاتها مع تركيا والسعودية، إضافة إلى موقعها الجغرافي وتأثرها المباشر بأي تغير في منظومة الأمن الإقليمي.
وقال نائب الرئيس التركي جودت يلماز إن انعكاسات الاتفاق ستظهر في سوريا والعراق والمنطقة عموماً، مشيراً إلى أن التعاون التركي السعودي في الملفات المتعلقة بسوريا، بما في ذلك رفع العقوبات والاستثمارات وإعادة الإعمار، يمكن أن تكون له آثار إيجابية على استقرار المنطقة.
ويرى موسى أن تطور العلاقات السورية-التركية والسورية-السعودية قد يفتح المجال أمام دور محتمل لدمشق في أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
لكنه يؤكد أن انضمام سوريا إلى اتفاق مكة ليس نتيجة مباشرة للاتفاق الحالي، بل احتمال مرتبط بتطورات عدة، من بينها طبيعة التهديدات التي تواجهها سوريا، وخيارات الدول الثلاث، وقدرة دمشق على بناء علاقات إقليمية متوازنة.
ويضيف أن موقع سوريا الجغرافي يجعلها من أكثر الدول تأثراً بأي تحول في منظومة الأمن الإقليمي، وأن مشاركتها في أي ترتيبات مستقبلية قد تمنحها دوراً أكبر بدلاً من أن تظل متلقية لتداعيات التحولات الجارية.
رغم أهمية الاتفاق سياسياً، فإن تحوله إلى تحالف أمني متكامل سيبقى مرتبطاً بقدرته على تجاوز مرحلة الإعلان إلى بناء مؤسسات وآليات تنفيذ واضحة.
فوجود مبدأ للدفاع المشترك لا يعني تلقائياً وجود قيادة عسكرية موحدة أو التزاماً بالتدخل في كل أزمة، وهي عناصر ستحدد طبيعة الاتفاق خلال المرحلة المقبلة.
ويبقى السؤال الأبرز: هل يبقى اتفاق مكة إطاراً دفاعياً محدوداً بين ثلاث دول، أم يتحول تدريجياً إلى منظومة أمنية إقليمية أوسع تعيد رسم موازين القوة في الشرق الأوسط؟
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة