تنور كفرنبل: إحياء تراث عريق ومصدر رزق جديد في ظل التحديات الاقتصادية


هذا الخبر بعنوان "تنور “كفرنبل”.. عودة للتراث ومصدر للرزق" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مدينة كفرنبل بريف إدلب، وعلى الرغم من بلوغها السادسة والسبعين من عمرها، لا تزال السيدة أم منذر تحافظ على إرث الأجداد بصناعة التنانير الطينية بالطريقة التقليدية. وتعمل أم منذر بمساعدة زوجها البالغ من العمر 86 عاماً، في ظل عودة بعض سكان المدينة إلى عادات قديمة تراجعت خلال سنوات الحرب والنزوح، ومن أبرزها إعداد خبز التنور في المنازل.
تبدأ أم منذر عملية صناعة التنور بإحضار نوع خاص من التراب يُعرف محلياً باسم “الحال”، ثم تقوم بنخله ونقعه بالماء وتجهيزه. بعد ذلك، تبدأ ببناء جسم التنور على مراحل متتالية، حيث تضع طبقة أولى وتنتظر حتى تجف تماماً قبل وضع الطبقة التالية. وتوضح أم منذر لموقع سوريا 24 أن صناعة التنور الواحد تستغرق حوالي ثلاثة أيام، نظراً لضرورة انتظار جفاف كل طبقة قبل الانتقال إلى التي تليها.
على الرغم من تقدمهما في السن، يتعاون الزوجان في هذه المهنة؛ فزوجها يساعدها في أعمال البناء والتجهيز التي تتطلب جهداً بدنياً، بينما تتولى هي المراحل الأخرى التي اعتادت النساء القيام بها. كانت أم منذر تبيع التنور الواحد مقابل 1500 ليرة تركية (حوالي 15 دولاراً)، لكنها رفعت السعر مؤخراً إلى ألفي ليرة تركية، مبررة ذلك بارتفاع التكاليف وزيادة الجهد المبذول في صناعته.
وتشير مراسلة “سوريا 24” سحر زعتور، وهي من سكان كفرنبل، إلى أن العودة إلى خبز التنور لا تقتصر على طريقة إعداده، بل تعيد إلى بعض العائلات طقوساً اجتماعية كانت جزءاً أساسياً من حياتها اليومية قبل الحرب. وتضيف أن إعداد الخبز في التنور كان يجمع أفراد الأسرة حول تحضير العجين والخبز والطعام، مما يجعل عودته استعادة لجزء من التراث المحلي والحياة العائلية التي فرقتها سنوات النزوح. وتؤكد زعتور: “العودة إلى خبز التنور هي عودة إلى التراث، وإلى اجتماع أفراد العائلة من جديد”.
في السابق، كانت الأسر في كفرنبل تعتمد على البساتين والأراضي الزراعية المحيطة بالمدينة لتأمين جزء من احتياجاتها الغذائية، مثل الزيتون والفليفلة وغيرها. لكن سنوات الحرب أدت إلى دمار واسع وتضرر الأراضي الزراعية، مما قلل من توفر بعض المنتجات المحلية وزاد من تكلفتها. وتوضح زعتور أن العديد من المواد التي كانت تصل للأسر بسهولة أصبحت اليوم أكثر كلفة، في ظل الأعباء المعيشية المتزايدة.
مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، لم يعد خبز التنور مجرد عادة منزلية، بل تحول إلى مصدر رزق لبعض الأسر في كفرنبل، حيث امتهنت بعضهن صناعته وبيعه لتأمين احتياجاتهن اليومية. يتراوح سعر رغيف خبز التنور الواحد بين عشر و15 ليرة تركية، حسب حجمه ومكان بيعه. وبذلك، يؤدي التنور دورين متوازيين: فهو وسيلة لإعادة طقوس الخبز المنزلي وجمع العائلة، وفي الوقت نفسه مهنة تساعد على مواجهة مصاعب الحياة.
تأتي عودة هذه الممارسات في مدينة كفرنبل، التي عانت مثل مناطق واسعة من شمال غربي سوريا من سنوات النزوح والدمار وتضرر مصادر الرزق، في محاولة لاستعادة أنماط الحياة المألوفة قبل الحرب والتكيف مع واقع اقتصادي جديد. وبالنسبة لأم منذر وزوجها، فإن هذه العودة تبدأ من حفنة تراب تُعجن وتُبنى طبقة فوق أخرى، لتصبح تنوراً جاهزاً لاستقبال النار ورغيف الخبز الذي يعيد الذكريات و”لمة العائلة”، ويصبح مصدر رزق لعائلات أخرى.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد