سوريا: كيف تستعيد الدولة قرارها وتبني علاقاتها على أساس المصلحة الوطنية؟


هذا الخبر بعنوان "باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (6) سورية… كيف تنهض حضارةٌ من سِنِيها العجاف" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يؤكد المهندس محمود محمد صقر أن تاريخ سوريا يتجاوز حدودها المرسومة أو رايتها المرفوعة، فهي أقدم من خرائط السياسة. وعمقها الحضاري ليس مجرد ماضٍ نتفاخر به، بل هو مسؤوليةٌ تحدد هويتنا المستقبلية: صلةٌ بين المتوسط والرافدين والأناضول والعمق العربي، لا ساحةٌ تتصارع فوقها مصالح الآخرين. لطالما كانت سوريا حاضرةً في حسابات العالم، لكن مأساتها بدأت حين غاب قرارها عن دمشق وبقيت حاضرةً في خرائط العواصم، مما جعل لكل دولةٍ جوابًا عنّا، وأضعف قدرتنا على صنع جوابنا الخاص. فالمؤسسة، كما ذكرنا في الحلقة السابقة، هي جهاز المناعة الحضاري؛ وعندما تضعف، يتحول الموقع إلى ساحةٍ للصراع، وتصبح العلاقة بالخارج بابًا للنفوذ.
لذلك، لا نحتاج إلى من يملي علينا ما نريده من العالم؛ بل نطمح إلى جوارٍ يحترم سيادتنا، وعالمٍ يعاملنا كشريك، وعلاقاتٍ تنبع من قرارنا الوطني ولا تحلّ محله. لم يكن السؤال يومًا: أين تقع سوريا؟ بل: أين يقع القرار السوري؟ إن بناء الدولة الجديدة لا يقوم على الحنين إلى الماضي أو الرغبة في الانتقام، بل على تحويل العلاقات الموروثة إلى علاقاتٍ تقررها المصلحة الوطنية.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة مذكرة التفاهم بين سوريا وروسيا ليس كخبرٍ عن قاعدتين، بل كاختبارٍ لطريقةٍ جديدة في إدارة العلاقة. تكمن أهمية هذه الخطوة ليس في بقاء روسيا أو رحيلها، بل في إعادة طرح السؤال الجوهري: مَن يحدد شكل العلاقة؟ ومَن يملك القرار؟ إذا بقي القرار سوريًا، استمرت العلاقة وتطورت؛ أما إذا امتلكت العلاقة القرار، عادت التبعية ولو تغيرت أسماء الاتفاقيات. هذا المبدأ لا يخص روسيا وحدها، فعلاقة سوريا بأي دولةٍ لم تعد ملكًا لنظامٍ أو طائفةٍ أو محورٍ، بل هي علاقة دولةٍ بدولةٍ تحددها المصلحة الوطنية.
إن حماية أي مكوّنٍ سوري لا تأتي من قاعدةٍ أجنبيةٍ أو ارتباطٍ بدولةٍ خارجية، بل من دولةٍ سوريةٍ عادلةٍ ودستورٍ يحمي الجميع. عندما يبحث مكوّنٌ عن أمنه خارج الدولة، وآخر عن قوته خارجها، تصبح البلاد أبوابًا يدخل منها الآخرون، بدلًا من أن تكون بيتًا واحدًا يحميه قانونٌ واحد. الدولة الإنسانية لا تطلب من الناس نسيان مخاوفهم، لكنها لا تسمح بتحويل الخوف إلى استقواءٍ بالخارج أو أداةٍ لبث الفتنة في الداخل. إنها تطمئن الخائف، وتحاور المتحفظ، وتحاسب المحرض بالقانون، فتتحول المخاوف إلى ضمانات، والمظلومية إلى عدالة، والتنوع إلى قوة، وذاكرة الصراع إلى معرفةٍ تمنع تكراره.
حماية القرار لا تتحقق بعلاقةٍ واحدةٍ مهما كانت قوية. فسوريا تقع بين مصالح روسيةٍ وعربيةٍ وتركيةٍ وأميركيةٍ وأوروبية، وتتعرض لضغوطٍ من إيران وإسرائيل. العلاقة مع روسيا قد تتيح مجالًا للحد من بعض هذه الضغوط، لكنها لا ينبغي أن تصبح بديلًا من الدولة أو وصايةً عليها. لا نعالج نفوذًا بنفوذ، ولا نستبدل تبعيةً بتبعية. بل تستخدم سوريا علاقاتها المختلفة لبناء شبكةٍ من المصالح تمنع أي دولةٍ من الاستفراد بها، وتقلص قدرة أي طرفٍ على تحويل أراضيها إلى ساحة نفوذٍ أو ميدانٍ لتصفية الحسابات. هنا يظهر الفرق بين الدولة التي تستخدم علاقاتها، والدولة التي تستخدمها علاقاتها. الأولى تعرف ماذا تريد من العالم، والثانية تنتظر أن يخبرها العالم بما يريده منها.
لا يصنع هذا القرار ذكاءُ شخصٍ مهما بلغت خبرته، بل تصنعه الحكمة المؤسسية: اجتماع السياسة والأمن والاقتصاد والقانون والتاريخ في صناعة القرار. ولهذا، لا يكون السؤال: مع مَن وقّعنا؟ بل: ماذا حقق التوقيع لسوريا؟ وماذا أعاد إلى مؤسساتها؟ وماذا حفظ من قرارها؟ يبقى التنفيذ هو الامتحان؛ فإن لم تُترجم المذكرة إلى إدارةٍ سوريةٍ فعليةٍ، وعلاقةٍ واضحةٍ تخضع للمراجعة والمصلحة الوطنية، بقيت نصًا جيدًا على الورق. السيادة ليست ما نعلنه، بل ما تستطيع مؤسساتنا تنفيذه وحمايته وتصحيحه. كما ذكرنا في الحلقة السابقة، القاتل يدخل من الباب الذي لم نُصلحه. واليوم نقول: التدخل الخارجي يدخل من الباب نفسه، حين تضعف المؤسسة ويضطرب القرار. سوريا الجديدة لا تحتاج إلى محورٍ يحملها، بل إلى قرارٍ وطنيٍ يحمل علاقاتها كلها. وحين تصبح المؤسسة هي العقل، والمواطنة هي الحماية، والمصلحة الوطنية هي أساس كل علاقة، لا نكون قد أغلقنا الباب في وجه العالم، بل نكون قد أصلحناه، وأمسكنا نحن بمفتاحه.
اقتصاد
سياسة
سياسة
اقتصاد