هذا الخبر بعنوان "حامد الشماميس… مجنون ماريا وحارس ذاكرة طرطوس" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
ليست كل الشخصيات التي تحتل مكانًا في ذاكرة المدن شخصيات ذات مناصب رفيعة أو أسماء لامعة في الأدب أو البطولة. فهناك أفراد يمرون في الحياة دون أن يتركوا بصمة شهرة واسعة، لكنهم يتركون أثرًا أعمق من أثر الكثيرين الذين تصدرت أسماؤهم الكتب والمؤلفات. هؤلاء هم الذين يصبحون جزءًا لا يتجزأ من روح المكان، من شوارعه وأشجاره وحكاياته وذاكرته الشعبية. ومن بين هؤلاء الأفراد يأتي اسم حامد الشماميس، الذي لم يكن مجرد عابر سبيل في مدينة طرطوس، بل أصبح أحد وجوهها التي لا تُنسى، خاصة في ذاكرة أبناء جيل الستينيات والسبعينيات، على الرغم من رحيله في مطلع الثمانينيات.
كان حامد ينتمي إلى قرية الشماميس في ريف صافيتا، لكنه اتجه غربًا نحو البحر ومدينة طرطوس، حاملًا معه قصة حبه الكبير لماريا، وهي الحكاية التي لازمت اسمه. تقول الروايات المتداولة إن حامدًا كان شابًا مفتونًا بماريا، وإن أهلها وعدوه بالزواج منها، لكنها تزوجت رجلًا آخر. في يوم زفافها، غادر قريته محملاً بانكساره، وسافر بعيدًا حتى استقر في شوارع طرطوس القديمة وخرائبها، ليبدأ حياة جديدة كعاشق يحمل ذكرى امرأة غائبة. أصبحت قصة ماريا، بغض النظر عن تفاصيلها، جزءًا من الأسطورة التي نسجتها المدينة حوله، حيث يصعب اليوم الفصل بين الحقيقة والخيال، وبين ما حدث فعلاً وما أضافته قلوب الناس إلى حكايته.
لم يكن حامد مجنون ليلى أو عاشق اليمامة، بل بدا وكأنه جمع قصص العشاق جميعًا في شخصية واحدة: حامد الشماميس، عاشق ماريا، وعاشق شجر الزنزلخت. تحولت المدينة في عينيه إلى غابة من الزنزلخت، وارتبطت الأشجار باسمها، وأصبحت أغصانها مسرحًا لذاكرته وألمه. اختصرت حياته في معادلة غريبة: إما جنون الوله أو شجر الزنزلخت، وظل أسيرًا بينهما.
في الطفولة، كان الكاتب يراه واقفًا وحيدًا على شاطئ البحر، يحمل عصاه وينظر إلى الأمواج. وعندما سأله ببراءة الأطفال عن عدد الأمواج التي جاءت ورحلت، لم يجب، لكن الأطفال كانوا يجيبون عنه بأن الموج القادم أكثر من الراحل. بقيت تلك اللحظة محفورة في ذاكرة الكاتب لعقود.
كان حامد يسكن أحيانًا في بيت حجري مهجور في أحياء طرطوس القديمة، يُعرف باسم خربة أم عيسى. كان الناس يقدمون له الطعام والماء، فهو لم يكن مؤذيًا لأحد، بل عُرف بالهدوء والعزلة. كان طويل القامة، عريض المنكبين، قوي البنية، يخرج بمعطفه الرمادي، ولحيته الطويلة، وكوفيته الكعكية، وعصاه المصنوعة من الزنزلخت، ووجهه الذي حفرت عليه الأيام قصة ألم طويلة.
يروي سامر الملوحي، أحد جيرانه، أنه عرف حامدًا منذ كان في السادسة من عمره، وكان ينتظره يوميًا ليراه يخرج من الشارع المقابل متجهًا نحو الخربة. كان الأطفال يخافونه بسبب الحكايات التي يرويها الكبار لتخويفهم، لكن سامر لم ير فيه ذلك، بل رأى فيه أبطال الأفلام الأسطورية. كان أكثر ما يثير دهشة الأطفال هو عندما يقول له أحدهم: «ماريا فوق الشجرة». عندها كان حامد يتحول بقوة هائلة وينطلق نحو شجرة الزنزلخت، يتسلقها ويحطم أغصانها بحثًا عن حبيبته. لم يكن يبحث عن ماريا فقط، بل عن شيء ضائع في حياته. وعندما يهدأ، كان يجلس تحت الشجرة ويلتقط حبات الزنزلخت المتناثرة، وكأنها بقايا من محبوبته. التصق اسمه بالزنزلخت، وغدت الشجرة جزءًا من حكايته، وهو جزءًا من ذاكرة تلك الأشجار.
رغم لقب «المجنون»، رأى فيه الكثيرون حكمة خاصة. فقد بقيت عبارته الشعبية تتردد: «المجنون يفقد كل شيء إلا عقله». ربما اختصرت هذه العبارة حقيقته؛ بدا مختلفًا، لكنه لم يكن فاقدًا للذكاء. ومن أجمل الحكايات التي تُروى عنه ما حدث مع أربعة شبان كانوا يشربون الخمر، فدعوه لمشاركتهم. أجابهم بهدوء: «أنتم تشربون لتصبحوا مثلي، فإذا شربت معكم أنا… مثل من سأصبح؟» ثم مضى، تاركًا سؤالًا أكبر من الجواب.
يروي الأديب بهجت ونوس شهادة إنسانية مؤثرة عن لقائه بحامد وهو طفل. كان حامد قد أخذ منه حلوى بالدَّين، وعندما طالبه الطفل بثمنها، غضب حامد وانطلق خلفه، حتى سقط الطفل. عندها توقف حامد وقال له: «قوم، ولاك… أنا ما بضرب واحد ارتمى عالأرض». كانت تلك اللحظة درسًا في الرحمة والكرامة خلف الوجه الذي ظنه الناس مجنونًا. وبعد خمسة وثلاثين عامًا، وضع ونوس صورة حامد على غلاف مجموعته القصصية «بكاء القصب»، معتبرًا إياه الحكيم الذي علّمه معنى من معاني الحياة.
لم تقتصر شخصية حامد على الحكاية الشعبية، بل دخلت عالم الفن والأدب. كتب الأديب علي ديبه نصًا مسرحيًا بعنوان «حامد الشماميس». ورسم الفنان الراحل علي هولا ملامحه، لأنه كان معنيًا برسم وجوه المهمشين. أما المصور الأرمني سامي أروميان، فقد التقط له صورة أعجبته، ووضعها في واجهة استديو التصوير الخاص به، لتصبح من أشهر الصور التي وثقت شخصية شعبية في طرطوس. في تلك الصورة، نرى وجهًا يحمل تاريخًا كاملاً: جبينًا أنهكته السنوات، وعينين غائرتين تحملان حزنًا عميقًا، ولحية بيضاء، وملامح إنسان أحب كثيرًا وتألم كثيرًا.
لم يكن حامد كثير الكلام، بل الناس هم الذين تحدثوا عنه وأضافوا إلى صمته الروايات والأساطير. نسب إليه البعض الشعر والحكمة والنبوءات، وظنه آخرون جاسوسًا. اختلط الواقع بالخيال، وأصبح من الصعب معرفة أين تنتهي الحقيقة وأين تبدأ الأسطورة. كاد أن يكون بطلًا لمسلسل تلفزيوني، لولا وفاة الفنان عصام سليمان قبل إنجاز المشروع.
بعد أكثر من أربعة عقود على رحيله، ما زال اسمه يتردد كلما ذُكرت طرطوس القديمة، أو أشجار الزنزلخت، أو البحر. ربما لن نعرف الحقيقة كاملة عن حامد الشماميس، لكن المؤكد أنه لم يكن مجرد رجل فقد عقله. كان إنسانًا أحب حتى احترق بحبه، وتحول من رجل منسي إلى ذاكرة مدينة. بقي لأنه ذكّر الناس بأن خلف كل شخص يبدو غريبًا حكايةً قد لا يعرفها أحد. وبقيت ماريا… وبقي الزنزلخت… وبقي حامد.
اقتصاد
منوعات
منوعات
سياسة