قطاع النسيج السوري يئن تحت وطأة الاستيراد المفتوح وارتفاع التكاليف


هذا الخبر بعنوان "الاستيراد يفكك قطاع النسيج في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يعد قطاع النسيج في سوريا يواجه تحديات الحرب فحسب، بل يجد نفسه محاصرًا بتكاليف إنتاج مرتفعة، ورسوم جمركية تثقل كاهل المواد الأولية، في مقابل انفتاح واسع أمام الألبسة الجاهزة المستوردة. هذا القطاع الذي كان لعقود طويلة عمودًا فقريًا للصناعة الوطنية ومصدرًا لفرص عمل لمئات الآلاف، بات اليوم في أمس الحاجة إلى قرارات تحمي المنتج المحلي، قبل أن تتحول معامل الإنتاج إلى مجرد مستوردين.
قطاع عريق يتراجع بعد 2011
يُعد القطاع النسيجي في سوريا من الركائز الأساسية للصناعة الوطنية، ويمتد تاريخه لآلاف السنين. كما أنه من القطاعات كثيفة التشغيل، حيث يوفر فرص عمل لمئات الآلاف من العمال والحرفيين وأصحاب الورش الصغيرة والمتوسطة، ويرتبط بقطاعات أخرى حيوية كالزراعة والنقل والتجارة والتصدير. وتشير بيانات سابقة إلى أن قيمة صادرات المؤسسة العامة للصناعات النسيجية التابعة للقطاع العام في سوريا بلغت حوالي 194.8 مليون دولار في عام 2010. إلا أن هذه الصادرات تراجعت بشكل كبير بعد عام 2011، نتيجة لانخفاض إنتاج القطن الخام، وتضرر عدد من المعامل، وارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج. وفي عام 2013، أعلنت المؤسسة العامة للصناعات النسيجية عن خسائر بلغت نحو 135 مليون دولار للقطاع العام للنسيج، دون توفر إحصاءات دقيقة ومحدثة حول مساهمة القطاع في الناتج المحلي أو حجم صادراته منذ ذلك الحين.
الاستيراد يضغط على المنتج المحلي
يواجه القطاع النسيجي اليوم تحديات قديمة وأخرى مستجدة. يشكو الصناعيون والخبراء من ضعف الدعم المباشر، واستمرار فرض رسوم على المواد الأولية، مقابل انخفاض الرسوم المفروضة على الألبسة الجاهزة المستوردة. ويؤكد الصناعي مهند دعدوش أن أكبر تحدٍ يواجه الصناعي السوري هو الانفتاح الواسع أمام استيراد الألبسة الجاهزة مع انخفاض رسومها، معتبرًا أن رسمًا بقيمة أربعة دولارات لكل كيلوغرام مستورد لا يحمي الصناعة الوطنية، مقارنة بمرحلة سابقة كان فيها الاستيراد ممنوعًا. ويرى أن هذه السياسة تخلق منافسة غير متكافئة، حيث لا يتحمل المستورد أعباء الإنتاج التي يتحملها صاحب المعمل من أجور عمال، وكلف طاقة، وصيانة آلات، ومخاطر إنتاج، وتذبذب أسعار وصرف.
مقارنات مع مصر ولبنان
يقارن دعدوش بين تعامل سوريا مع ملف الألبسة الجاهزة المستوردة وبين مصر ولبنان. فمصر لا تسمح باستيراد الألبسة الجاهزة إلا من خارج نطاق الدول العربية، وتسمح بها من بعض الدول العربية بشروط معقدة ورسوم مرتفعة تصل إلى ثمانية دولارات ونصف الدولار لكل كيلوغرام، مما يحمي منتجها المحلي. أما في لبنان، فتصل الرسوم على الألبسة التركية الجاهزة إلى ستة دولارات ونصف الدولار لكل كيلوغرام، وهي سياسة ساعدت لبنان على استعادة جزء من إنتاجه المحلي بعد تضرره سابقًا.
رسوم المواد الأولية تزيد الأعباء
لا تقتصر المشكلة على انخفاض رسوم الألبسة الجاهزة المستوردة، بل تشمل أيضًا الرسوم المرتفعة المفروضة على المواد الأولية كالأزرار والسحابات والأقمشة. فبينما تعفي لبنان هذه المواد من الرسوم الجمركية، وتفرض مصر رسومًا منخفضة تقارب نصف دولار لكل كيلوغرام، تصل الرسوم في سوريا إلى نحو 1.1 دولار لكل كيلوغرام من المواد الأولية النسيجية. هذا الفارق في السياسات الجمركية يؤثر مباشرة على كلفة المنتج النهائي ويجعل الصناعي السوري أقل قدرة على المنافسة.
الاستيراد أسهل من التصنيع
ضعف تشجيع الصناعات النسيجية في سوريا دفع بعض أصحاب المعامل السوريين في مصر إلى إرسال ألبسة جاهزة إلى السوق السورية بدل تصنيعها محليًا، رغم امتلاكهم مصانع داخل البلاد. ويعزو دعدوش ذلك إلى ارتفاع كلف الإنتاج في سوريا مقارنة بمصر، مما يجعل التصنيع خارج البلاد أو الاستيراد المباشر أكثر جدوى تجاريًا. ففي حين كانت كلفة الإنتاج في سوريا عام 2022 أقل من مصر بنحو 30%، أصبحت خلال عامي 2025 و2026 أعلى بنحو 30% من مصر، بسبب تذبذب سعر الصرف، وارتفاع الأجور، وكلف الطاقة، والضرائب، وعدم استقرار البيئة الاقتصادية.
تسهيلات ضريبية.. بانتظار الأثر
أعلنت الحكومة السورية مؤخرًا عن تسهيلات للصناعيين، منها تخفيضات ضريبية وإعفاءات مرتبطة بفواتير الكهرباء، وتوجهات ضمن النظام الضريبي الجديد. وكان وزير المالية أعلن عن ضريبة بنسبة 10% فقط ضمن النظام الجديد، وتخصيص 25% من حصيلة ضريبة المبيعات لدعم الصناعة والتصدير. ورغم ذلك، يوضح دعدوش أن الصناعيين والتجار يسددون حاليًا ضرائب تعود إلى عامي 2022 و2023، وأن أثر السياسات الجديدة لن يكون ملموسًا قبل عامي 2027 و2028، بسبب الفجوة الزمنية بين السنة الضريبية وموعد التسديد الفعلي.
حلول تبدأ من الجمارك وكلف الإنتاج
يطرح صناعيون وخبراء حلولًا لإنعاش القطاع النسيجي، تبدأ من تخفيف الأعباء الجمركية والضريبية، وحماية السوق المحلية. يدعو الخبير في الشؤون الجمركية حسام الدريعي إلى إعفاء المواد الأولية الداخلة في الصناعات النسيجية من الرسوم الجمركية، وتخفيض رسوم المرفأ عند استيراد الخيوط. ويتقاطع رأي دعدوش مع الدريعي في ضرورة تخفيض رسوم المواد الأولية أو إعفائها، مع إضافة ضرورة رفع رسوم استيراد الألبسة الجاهزة لحماية المنتج المحلي.
معامل تغادر السوق
تشير التحديات المتراكمة إلى خروج بعض المعامل النسيجية من السوق السورية، واتجاه أصحابها إلى الاستيراد بدل التصنيع، لسهولة التجارة بالألبسة الجاهزة مقارنة بالإنتاج المحلي الذي يتطلب وقتًا وجهدًا ورأس مال ومخاطر. ويرى دعدوش أن استمرار هذه المعادلة قد يؤدي إلى إضعاف القطاع وتحويل الصناعيين إلى تجار مستوردين.
اهتمام حكومي.. بانتظار القرارات
ظهرت مؤخرًا مؤشرات على اهتمام حكومي متجدد بالقطاع النسيجي، خلال معرض “ناس تكس” في دمشق. وأوضح وزير الاقتصاد والصناعة، نضال الشعار، أن الحكومة تعمل على دعم وتطوير القطاع بالشراكة مع القطاع الخاص، داعيًا ممثلي القطاع إلى تقديم رؤية موحدة لتطوير الصناعة والاستعداد للتحولات العالمية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد