الخط الديواني الجلي: إبداع بصري يجمع بين دقة الحرف وسحر الزخرفة


هذا الخبر بعنوان "الخط الديواني الجلي.. حروف تنبض بالحركة في ميزان الزخرفة والجمال" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا تنساب الألفات صاعدة، وتنحني الحروف وتتقاطع في حركة محسوبة، بينما تتوزع النقاط المستديرة والزخارف الدقيقة في تكوين متماسك، ليأخذ السطر هيئة زورق يمضي بين ضفتين متوازيتين. هكذا يصنع الخط الديواني الجلي لوحته التي تجمع قوة الحرف ورهافة الزينة، مستنداً إلى إرث عثماني عريق ومساحة واسعة من المرونة الجمالية. وعبر أجيال الخطاطين، حافظ هذا الفن على ملامحه الأساسية، وانتقل من دواوين الدولة والمراسلات الرسمية إلى اللوحات والمعارض، مواصلاً حضوره فناً يمنح الحروف قدرة على الحركة والتداخل من دون أن تفقد توازنها.
من دواوين السلطنة إلى اللوحات
يُعد الديواني الجلي أحد فروع الخط الديواني، وقد نشأ وتطور في البيئة العثمانية، حيث استُخدم في كتابة الفرمانات والمراسلات السلطانية والوثائق المرتبطة بالمناسبات المهمة، ثم اتسعت مجالاته ليغدو فناً مستقلاً في اللوحات الخطية. ويشترك الديواني الجلي مع الديواني العادي في عدد من أشكال الحروف وطرائق اتصالها، بينما يتميز بكثافة الزخارف، وتوزيع النقاط المستديرة، وبناء النص داخل تكوين متماسك يملأ المساحة المخصصة للكتابة.
وتشير رواية أوردها معجم الكتابة لخضير شعبان، الصادر في طبعته الأولى عام 1419 هجرية عن دار اللسان العربي في الجزائر، إلى ظهور الديواني الجلي في أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر الهجريين، وتنسب ابتكار صورته الجلية إلى شهلا باشا، أحد رجال الفن في الدولة العثمانية. ويحتاج هذا النوع من الخط إلى قدرة عالية على تقدير الفراغات وضبط حركة الحروف، إذ لا تقتصر قيمته على جمال الحرف منفرداً، وإنما تتجلى في العلاقة التي تنشأ بين الحروف والنقاط والزخارف داخل التكوين الكامل.
حروف تتقاطع داخل ميزان مرن
من أبرز خصائص الديواني الجلي أن سطره يأتي غالباً ضمن تكوين مغلق من الطرفين، وتُملأ مساحاته بالحروف والعلامات الزخرفية والنقاط المدورة، بما يمنح اللوحة كثافة بصرية وإيقاعاً متوازناً. كما تتيح طبيعته للخطاط التصرف في امتداد بعض الحروف وأحجامها ومواقعها، وفق مساحة السطر ومتطلبات التكوين، ضمن الأصول العامة للخط وموازينه.
وأوضح الخطاط عبد الناصر المصري في تصريح لـ سانا، أن الديواني الجلي خط عثماني قديم ارتبط بالفرمانات السلطانية، ويختلف عن الديواني العادي في هيئة السطر، وأشكال بعض الحروف، وكثافة الزخارف والنقاط المصاحبة للنص. وبيّن المصري أن الديواني العادي يعتمد مقاييس أكثر ثباتاً للحروف، في حين يمنح الديواني الجلي الخطاط مرونة تركيبية أوسع، تسمح بتعديل حجم بعض الحروف أو إطالتها بما ينسجم مع موقعها داخل السطر. وأشار إلى أن سطر الديواني الجلي يكون مغلقاً من الطرفين، ويتخذ هيئة قريبة من الزورق، بينما تقل في الديواني العادي التشكيلات والزخارف التي تمنح الجلي طابعه البصري الكثيف. وتكشف هذه الفروق أن مرونة الديواني الجلي لا تعني خروجه عن أصول الخط، وإنما تتيح للخطاط إعادة توزيع عناصره للوصول إلى تكوين متوازن، تتكامل فيه الحروف والفراغات والزخارف.
مدرسة سورية تجدد جمال الحرف
أسهم الخطاطون السوريون في استمرار هذا الفن، وأضافوا إلى تكويناته لمسات جمالية شملت إطالة بعض الألفات وتطوير حركة الحروف داخل السطر، وتأتي هذه التصرفات في إطار الاجتهاد الفني وشكل اللوحة، من دون أن تتحول إلى قواعد جديدة تضاف إلى أصول الخط.
وأكد المصري أن قيمة الديواني الجلي تكمن في قدرته على الجمع بين الانضباط والمرونة، إذ تحكمه قواعد عامة تحفظ هوية الحروف وتوازن التكوين، ويترك للخطاط مساحة لإبراز رؤيته وبصمته الفنية. وينتمي الخطاط عبد الناصر المصري، المتحدر من حمص وتلميذ الخطاط عدنان شيخ عثمان، إلى المدرسة السورية في الخط العربي، ونال مكافأة من مركز إرسيكا في تركيا، وجائزة البردة في الإمارات، وشارك في مشروعات لكتابة المصحف الشريف في المدينة المنورة ودبي، وفي ملتقى مجمع الملك فهد عام 2011، ومهرجانات للخط العربي في الجزائر والكويت.
ومن دواوين السلطنة العثمانية إلى محترفات الخطاطين المعاصرين، قطع الديواني رحلة طويلة انتقل خلالها من لغة للفرمانات والمراسلات الرسمية إلى فن يتجدد حضوره في اللوحات والعناوين والتصاميم. ومع انحسار وظيفته الإدارية في تركيا عقب تغيير الأبجدية عام 1928، حفظ تقاليده خطاطون كبار، ثم امتد إلى مدارس الخط العربية، ليواصل اليوم وصل ذاكرة الدواوين القديمة بحساسية الفن الحديث، ويمنح الحرف العربي مساحة متجددة للتعبير والجمال.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة