النيل من هيبة المواطن: عندما تصبح حرية التعبير جريمة في مواجهة السلطة


هذا الخبر بعنوان "النيل من هيبة المواطن" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يبدو أن ظاهرة توقيف الأشخاص، سواء كانوا من القادمين إلى سوريا من الخارج أو من المقيمين فيها، قد أخذت في الآونة الأخيرة منحى متصاعدًا، بحيث أصبح أي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أو تصريح في وسيلة إعلامية، أو رأي في شأن عام، كافيًا لأن يجد صاحبه نفسه متهمًا بـ”النيل من هيبة الدولة” وفق ما يؤوله الرقيب.
وهي تهمة مطاطة لطالما استخدمتها النظم السلطوية لتكميم أفواه الناس وإخراس المجتمع عن كل الموبقات السياسية التي قد تصدر عنها، والسؤال هنا ما الذي يراد حمايته فعلًا الدولة أم السلطة؟! ليست المشكلة هنا أن تكون للدولة هيبة وأن تعمل السلطة تحت سقف القانون لحماية تلك الهيبة، لكن هيبة الدولة لا تُبنى بالخوف، ولا تُصان وتتم حمايتها بالسجون، ولا تحتاج إلى أجهزة أمنية تعمل كخلايا تجسس لتراقب كلمات الناس كي تثبت وجودها.
فالهيبة الحقيقية للدولة تنشأ وتدوم عندما تحترم السلطة الحاكمة القانون، وتتعزز تلك الهيبة كلما تعززت النزاهة في مؤسساتها وكلما استرشدت بالعدل في قراراتها، ومن ثقة المواطن ويقينه بأنها موجودة لحمايته لا لملاحقته وإحصاء أنفاسه. أما أن يصبح انتقاد قرار حكومي أو التعليق على أداء مسؤول أو إبداء رأي سياسي سببًا للتوقيف، فإن الأمر يتحول عندها من حماية هيبة الدولة إلى حماية صورة السلطة عن نفسها دون النظر إذا كان الرأي صائبًا أو في غير محله والرد عليه وتفنيده بالكلمة والبرهان.
الأخطر من ذلك أن هذا السلوك يؤشر إلى أن صدر السلطة بدأ يضيق حتى بتلك الفسحة المتواضعة التي انتزعها السوريون خلال الفترة الماضية، والتي شكلت متنفسًا لهم للتعبير عن آرائهم في الشأن العام، وهي فسحة ناضلوا طويلًا لأجلها، كما يشير أيضًا إلى أن المنظومة الأمنية لم تعد تنظر بعين الرضا إلى هذا القدر من “التسيب” في ممارسة حق التعبير عن الرأي الذي يكفله الدستور.
في ضوء ما حصل وما يحصل في أقسام الشرطة من توقيف تعسفي وغير قانوني لمجرد وجود شكوى قد تكون كيدية أو متعلقة بنزاع مدني، وما يحصل من ممارسة العنف والشدة على الموقوفين كان آخرها ما أفضى إلى مقتل الشاب محمد غميرة وقبله العشرات من الضحايا، دعونا نطرح المسألة من منظور آخر، أليست مهمة حماية “هيبة المواطن” من أهم وأبرز مهام السلطة، ولماذا لا تعلو هيبة المواطن على هيبة الدولة في سلم المهام والأولويات باعتبار أن الدولة نفسها وجدت لخدمة ورعاية قضايا وحاجات المواطنين؟
هيبة المواطن تعني تمامًا ألا يعتقل إنسان لأنه قال رأيًا لا يعجب السلطة، وألا يهان لأنه انتقد مسؤولًا، وألا يتم توقيفه بغير مذكرة قضائية، وأن تكون كرامة الإنسان محصنة بالقانون من تعسف السلطة، وأن حريته هي الأصل وتقييدها هو الاستثناء الذي لا يجوز التوسع أو الشطط فيه. الدولة المهابة القوية ليست تلك التي يخشاها مواطنوها، وإنما التي يثقون بها وبمؤسساتها ونزاهة وعدالة قضائها، فإن كان لا بد من الخوف على هيبة ما، فلتكن إذًا هيبة المواطن أولًا، لأن دولة تهدر كرامة مواطنیها تفقد مبرر وشرعية وجودها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة