رفع القيود عن سوريا: هل الثقة الاقتصادية هي التحدي الأكبر؟


هذا الخبر بعنوان "رفع القيود هل يكفي؟.. الثقة هي الاختبار الأصعب للاقتصاد السوري" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى الدكتور خليل حمدان، أستاذ إدارة الأعمال في جامعة حلب، أن انتهاء مهلة الـ45 يوماً لمراجعة الكونغرس الأميركي لرفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، لا يمثل مجرد محطة سياسية جديدة، بل هو انتقال من مرحلة إزالة العوائق القانونية إلى مرحلة أكثر تعقيداً وأهمية: استعادة الثقة بالاقتصاد السوري ومؤسساته. وأوضح حمدان أن انتهاء المهلة يفتح الطريق أمام استكمال الإجراءات التنفيذية النهائية، لكنه حذر من المبالغة في تفسير هذه الخطوة، مؤكداً أن جميع القيود الاقتصادية والمالية لن تختفي دفعة واحدة، ولن تعود الاستثمارات والمصارف والشركات الدولية في اليوم التالي. وأشار إلى أن المهمة الحقيقية تبدأ هنا، وأن عودة الاستثمار لن تكون تلقائية. فالمشكلة الاقتصادية السورية لم تكن مرتبطة بالعقوبات وحدها، رغم تأثيرها الكبير، بل تراكمت تحديات داخلية تتعلق ببيئة الأعمال، والتشريعات، والإجراءات الإدارية، والبنية التحتية، واستقرار السياسات الاقتصادية. وبالتالي، فإن إزالة أحد أهم العوائق الخارجية تمنح الاقتصاد السوري فرصة، لكنها لا تضمن الاستفادة منها.
وأضاف حمدان أن المستثمر الذي يفكر في السوق السورية لن يسأل فقط عن رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب، بل سيسأل عن سهولة تأسيس مشروعه، ووضوح واستقرار القوانين، وإمكانية تحويل الأموال والأرباح، ووجود بيئة مصرفية قادرة على التعامل مع المؤسسات المالية الدولية. وأكد أن المستثمر لن يكتفي بزوال القيود الخارجية إذا واجه إجراءات معقدة للحصول على التراخيص، أو صعوبة في التمويل، أو مشكلات في الطاقة والبنية التحتية، أو غموضاً في استيراد المعدات وتحويل الأرباح. هذه التحديات، بحسب حمدان، هي سورية داخلية أكثر منها أميركية.
يعتبر حمدان أن القطاع المصرفي قد يكون من أكثر القطاعات استفادة من رفع التصنيف، ولكنه سيكون أيضاً الأكثر حاجة للتطوير ورفع الجاهزية. فالمصارف الدولية لا تبني قراراتها على السماح القانوني وحده، بل على تقييم المخاطر، والامتثال، والشفافية، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومعايير معرفة العميل. وأوضح أنه حتى لو أصبح تنفيذ تحويل مالي إلى مصرف سوري ممكناً من الناحية القانونية، فقد يتردد مصرف أجنبي في التنفيذ إذا بقيت تقييمات المخاطر مرتفعة، أو لم تكن متطلبات الامتثال والشفافية والرقابة مطمئنة للمؤسسات المالية الدولية. لذلك، فإن عودة العلاقات المصرفية الطبيعية تحتاج إلى بناء الثقة بين المصارف السورية والمؤسسات المالية الخارجية، وتطوير أنظمة الامتثال والحوكمة والرقابة، وتحديث البنية التقنية للمصارف. وبعبارة أوضح: إزالة العائق القانوني أمام التعامل مع سوريا شيء، وإقناع المؤسسات المالية العالمية بالتعامل معها شيء آخر.
من أهم الفرص التي لا ينبغي إغفالها هو رأس المال السوري في الخارج. فقد انتقلت خبرات ورؤوس أموال وشركات سورية إلى دول عديدة، ونجح كثير من السوريين في تأسيس أنشطة اقتصادية وتجارية وصناعية خارج البلاد. لذلك، قبل البحث عن جذب المستثمر الأجنبي، يجب السؤال بإلحاح: كيف نستعيد ثقة المستثمر السوري؟ فالصاحب لمنشأة سورية يعمل اليوم في الخارج لن ينقل جزءاً من نشاطه إلى سوريا لمجرد حدوث انفتاح سياسي أو رفع قيود خارجية، بل سيقارن بين كلفة الإنتاج، واستقرار التشريعات، وتوافر الطاقة والتمويل، وسهولة التحويلات، وحماية الملكية والاستثمار قبل اتخاذ قراره. ويرى حمدان أن السوريين في الخارج لا يمتلكون رأس المال فقط، بل يمتلك كثير منهم خبرات إدارية وتقنية وشبكات تجارية وعلاقات مع أسواق خارجية يمكن أن تسهم في عملية التعافي الاقتصادي. وإن توفير بيئة قانونية وإدارية مستقرة، وتبسيط الإجراءات، وضمان حقوق الملكية، وتوفير آليات واضحة لتحويل الأموال والأرباح، يمكن أن يجعل رأس المال السوري في الخارج من أوائل المحركات الحقيقية للتعافي وإعادة الإعمار.
يرى أستاذ إدارة الأعمال أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى برنامج اقتصادي واضح، لا إلى انتظار النتائج التلقائية للانفتاح السياسي. وهذا يتطلب مراجعة التشريعات الاستثمارية، وتبسيط تأسيس الشركات، وتطوير القطاع المصرفي، وتحديث أنظمة الدفع والتحويل، وتحسين الحوكمة والشفافية، وتقديم صورة واضحة للمستثمرين عن القطاعات والفرص المتاحة في الاقتصاد السوري. كما تحتاج سوريا إلى تغيير الصورة الذهنية التي تشكلت عن سوقها خلال سنوات العزلة، وهذا لا يتحقق بالرسائل السياسية وحدها، بل ببيانات ومؤشرات وسياسات اقتصادية مستقرة وقابلة للقياس. فإذا أرادت سوريا جذب استثمار صناعي، على سبيل المثال، فإن المستثمر يحتاج إلى معلومات واضحة عن تكلفة الطاقة والأرض والعمالة والضرائب والإعفاءات وإجراءات التأسيس والتصدير، لا إلى دعوة عامة للاستثمار فقط. فالمستثمر يتخذ قراره بالأرقام والقواعد الواضحة، لا بالشعارات.
لقد كانت إزالة العقبات السياسية والقانونية الخارجية مسؤولية الدبلوماسية بالدرجة الأولى. أما تحويل نتائجها إلى استثمارات ومصانع وفرص عمل وتحسن في مستوى معيشة السوريين فهو مسؤولية الإدارة الاقتصادية والمؤسسات السورية. وهنا سيكون معيار النجاح مختلفاً تماماً، فالمواطن لن يقيس أثر هذه التحولات بعدد البيانات السياسية، بل بما إذا كانت فرص العمل ستزداد، والقوة الشرائية ستتحسن، وتكلفة التحويلات والتجارة ستنخفض، والاستثمارات والمشروعات الجديدة ستبدأ بالظهور فعلياً. ولهذا فإن انتهاء مهلة الكونغرس ليس نهاية الطريق، بل ربما يكون بداية الجزء الأصعب منه. ويختتم حمدان بالقول: لقد عانى الاقتصاد السوري سنوات من القيود التي أعاقت اندماجه في الاقتصاد العالمي، ومع بدء تفكيك هذه القيود تصبح المسؤولية في الداخل أكبر. فهل نستطيع بناء اقتصاد ومؤسسات وبيئة أعمال تجعل العالم راغباً في التعامل معنا، بعد أن يصبح التعامل ممكناً؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد القيمة الاقتصادية الحقيقية لهذه اللحظة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد