إيران تراوغ في المفاوضات.. وواشنطن تشعل حرباً اقتصادية قد تغير قواعد اللعبة


هذا الخبر بعنوان "مراوغة إيران في المفاوضات.. وواشنطن تبدأ حرباً اقتصادية قد تقلب حساباتها" نشر أولاً على موقع الحل نت وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل تصاعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، الذي اتخذ منحى جديداً يركز على الحرب الاقتصادية الشاملة والحصار المالي بدلاً من التصعيد العسكري، مع بقاء الخيار العسكري مطروحاً كخيار أخير لواشنطن، يبدو أن طهران، منذ اندلاع الصراع في 28 شباط/فبراير 2026، لم تفِ بالتزاماتها بموجب الاتفاق المؤقت الذي تم التوصل إليه بوساطة باكستانية ودخل حيز التنفيذ في أوائل نيسان/أبريل. شهدت الهدنة خروقات إيرانية متعددة قبل أن تنهار مذكرة التفاهم المؤقتة بين واشنطن وطهران في 8 تموز/يوليو 2026، عندما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن انتهائها، إثر تجدد الضربات العسكرية المتبادلة وخلافات حادة حول حرية الملاحة في مضيق هرمز وإلغاء الإعفاءات النفطية. بلغت مهلة الستين يوماً المحددة في الاتفاق نهايتها الرسمية منتصف آب/أغسطس الجاري دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
لا يمكن اعتبار ما حدث حدثاً عارضاً، بل نمطاً يستحق التفسير. مؤخراً، أبدت إدارة ترامب رغبة في إنهاء الصراع، بينما تبدو طهران تراوغ وتماطل لإبقاء المفاوضات مفتوحة دون تسوية نهائية، مستفيدة من الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجهها واشنطن، خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية. يطرح هذا تساؤلات حول ما إذا كانت إيران تحاول استخدام الانتخابات الأميركية كورقة تفاوضية، وما هي حسابات طهران خلف إطالة أمد المفاوضات وحشد وكلائها في المنطقة.
مراوغة إيران الخاسرة.. واشنطن تنتقل لخنق اقتصادها
تدرك طهران أن اقتراب الانتخابات النصفية المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل يفرض ضغوطاً سياسية على إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وهو ما تحاول استغلاله في إدارة المفاوضات عبر إطالة أمدها والمراهنة على أن استمرار الحرب وتداعياتها الاقتصادية والسياسية قد يزيدان الكلفة على واشنطن. وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت خلال مؤتمر صحفي للإعلان عن عقوبات إضافية ضد إيران، في وزارة الخزانة بالعاصمة واشنطن، الولايات المتحدة، 24 آب/أغسطس 2026. “رويترز” /إيفلين هوكشتاين.
وجه ترامب تحذيرات لإيران، وذكر مراراً أنه أرجأ عملية عسكرية ضخمة لإعطاء طهران فرصة أخيرة للتفاوض. قال ترامب خلال حوار مرتجل مع الصحفيين في المكتب البيضاوي: “اتصلوا بي وقالوا: ‘أرجوك لا تهاجم. سنتوصل إلى اتفاق’”. في المقابل، أنكرت إيران، كعادتها، وجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن، مما خلق أحد أخطر الظروف في الصراعات الدولية: خصمان ينطلقان من فهمين مختلفين تماماً لموقف الدبلوماسية، يعتقد أحدهما أن المفاوضات باتت وشيكة، بينما يصر الآخر علناً على عدم وجودها.
تأتي هذه التحركات في وقت تحاول فيه طهران الاستفادة من اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، عبر إبقاء المفاوضات في حالة من المراوحة وإطالة أمد الصراع، بما قد يزيد الضغوط السياسية والاقتصادية على إدارة ترامب. تراهن إيران، وفق تقديرات متداولة، على أن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة وتداعياتها الاقتصادية قد يضعف موقف الرئيس الأميركي داخلياً ويحد من قدرته على مواصلة الضغط عليها. وتدرك طهران أن استمرار الحرب يفرض كلفة سياسية متزايدة على الإدارة الأميركية، خصوصاً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، وهو ما يمنحها حافزاً إضافياً لإطالة أمد المفاوضات بدلاً من الوصول إلى تسوية سريعة.
على النقيض، فإن إيران لديها أسباب وجيهة لوقف الحرب بسبب الضغوط الاقتصادية. تشير التقارير إلى انخفاض حركة الملاحة عبر مضيق هرمز من نحو 140 سفينة يومياً قبل الحرب إلى 8 سفن فقط في بعض الأيام، مما أدى إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز العالمية وارتفاع تكاليف التأمين والشحن. هذا الضغط ينعكس على الاقتصاد الإيراني بقدر ما يؤثر في الأسواق العالمية، ويزيد من هشاشة الوضع الاقتصادي داخل البلاد.
العراق بعد حرب إيران.. الزيدي في معركة ضد السلاح المتفلت والمال الإيراني
أعلنت القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” الأحد الموافق لـ 23 آب/أغسطس الجاري، أن القوات الأميركية أجبرت 70 سفينة تجارية على تغيير مسارها منذ إعادة فرض الحصار البحري على إيران، في أحدث حصيلة لعمليات مراقبة حركة الملاحة وفرض إجراءات الحصار في المنطقة. وأضافت أن القوات الأميركية عطلت ثلاث سفن، فيما صعدت على متن سفينتين أخريين للتحقق من امتثالهما للإجراءات المعمول بها.
أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت مساء الاثنين، 24 آب/أغسطس 2026، حملة عقوبات جديدة على إيران تحت اسم “العزل الاقتصادي”، داعياً الدول إلى وقف الأنشطة التجارية والمالية التي حددتها واشنطن مع طهران، وإلا ستواجه إجراءات أميركية. وأضاف أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يجري اتصالات بقادة دوليين لحثهم على وقف تعاملاتهم مع إيران، محذراً من أن أي دولة تدعم طهران قد تواجه العقوبات الأميركية، بما في ذلك الصين.
أوضح بيسنت أن الإجراءات تستهدف خمسة قطاعات رئيسية: الأصول الرقمية، التكنولوجيا، الذهب، الطيران، والشحن، إضافة إلى نحو 60 كياناً وشخصاً وسفينة مرتبطة بإيران في قطاعات الطاقة النووية، الصواريخ، الفضاء الإلكتروني، والنفط. كما أعلنت الخزانة الأميركية تعليق تراخيص عامة كانت تسمح ببعض التحويلات المالية إلى إيران، واستهداف شبكة من شركات الوساطة وسفن “أسطول الظل” المرتبطة بها في الإمارات، هونغ كونغ، الصين، سنغافورة، سويسرا، وأوروبا.
يبدو أن هذا التوجه الأميركي يهدف إلى توسيع نطاق العقوبات التي يمكن فرضها على شركات ودول تتعامل تجارياً مع إيران، مما يجعل التعامل مع الاقتصاد الإيراني أكثر كلفة ومخاطرة. واشنطن لا تستهدف إيران وحدها هذه المرة، بل تريد جعل التعامل التجاري معها مشكلة بالنسبة إلى الآخرين أيضاً. لكن، على الرغم من ذلك، لم تتخذ إيران خطوات جدية لإنهاء الحرب، بل تواصل المراوغة في إدارة الصراع، متجاهلة آثاره الكارثية على إيران وشعبها وعلى دول الإقليم، وخاصة الخليج. إلا أن أطماعها وخططها العدائية في المنطقة توهمها بأن المواصلة قد تحقق شروطها التفاوضية.
إيران تتلاعب بالمفاوضات
إيران تفهم موقف ترامب، وتتلاعب بالمفاوضات، وذلك بعد أن وسعت دائرة الضغط لتشمل واشنطن وحلفاءها. صرح خبير بارز في معهد الشرق الأوسط متخصص في الشأن الإيراني بأن إيران خلصت إلى أن استراتيجيتها المثلى هي تعظيم الضرر الذي يمكنها إلحاقه بالولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، وهو ما يعزز رغبتها في الضغط وليس التسوية السياسية.
تلاعب إيران بالمفاوضات ظهر أكثر من مرة، وكان أكثر وضوحاً عندما سُئل نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، بشكل مباشر عما إذا كانت إيران تنفذ المادة 5 من اتفاق حزيران/يونيو التي تلزمها ببذل أفضل جهودها لضمان المرور التجاري الآمن لمدة 60 يوماً. قال في تصريح له: “لا يمكن ضمان المرور الآمن عبر مضيق هرمز في ظل ترتيبات غامضة، أو مسارات متوازية، أو قرارات لا تراعي دور إيران كدولة ساحلية”. وهو ما يمكن اعتباره اعترافاً رسمياً بعدم الوفاء بالتزام تعاقدي حيال الاتفاقية المؤقتة التي وقعت مع واشنطن.
وفقاً لمباحثات اتفاق عُمان الجارية بشأن طرق الشحن، تصر طهران على ضرورة تلبية واشنطن لشروط إضافية قبل السماح للسفن بالعبور بحرية، مما يعني أن طهران تستخدم مضيق هرمز الحيوي كورقة مساومة لملفات أخرى بدون حل مباشر. يصر المسؤولون الإيرانيون على أن النظام القانوني في المضيق لن يعود إلى حالته قبل الحرب، حين لم تكن أي دولة تسيطر على الملاحة عبر الممر، وهو ما يعني أيضاً أن إيران تستغل الأزمة لفرض ترتيب جديد يمنحها نفوذاً لم يكن قائماً أصلاً قبل الحرب.
قد تتحول سياسة كسب الوقت من ورقة تفاوضية تراهن عليها طهران إلى عامل يستنزف قدرتها على المناورة، ويجعل أي تسوية مقبلة أكثر كلفة وشروطها أصعب.
“صورة من إيران”
الملف الأهم وهو “اليورانيوم المخصب” لا يزال بعيداً عن الحل، حيث استمرت المساعي الإيرانية سراً لإعادة بناء برنامجها النووي في منشأة “جبل الفأس” تحت الأرض، وكذلك استمرار محاولات نشطة لتهريب الأسلحة إلى ميليشيا “حزب الله” اللبناني الموالي لها عبر سوريا في نفس الوقت الذي تجري فيه محادثات التهدئة. في أواخر أيار/مايو الفائت، نفى مصدر إيراني كبير لـ”رويترز” موافقة طهران على تسليم مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، مؤكداً أن “الملف النووي لم يكن جزءًا من الاتفاق المبدئي الذي وقع مع الولايات المتحدة آنذاك”. وأكدت طهران مراراً أنها لن تتخلى عن مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة تقترب من مستوى التخصيب المستخدم في إنتاج السلاح النووي، رغم إدراكها أن هذه النقطة تحديداً تمثل أحد الخطوط الحمراء التي حددتها واشنطن.
مثلث “إيران” كأداة ضغط
مع دخول واشنطن وطهران في حرب اقتصادية ومالية غير مسبوقة، أو ما تصفه الإدارة الأميركية بـ “يوم الحسم الاقتصادي”، بهدف خنق الاقتصاد الإيراني بالكامل بدلاً من الاعتماد فقط على العمليات العسكرية، ومع الخسائر التي تكبدها “حزب الله” بسبب الهجمات الإسرائيلية، ظهرت مؤخراً تحت الرادار الميليشيات العراقية التي بدا أن دورها سيكون محورياً الأسابيع المقبلة.
بين شباط/فبراير ونيسان/أبريل 2026، كانت هذه الميليشيات مسؤولة عن نحو 500 هجوم استهدفت القوات الأميركية والبنية التحتية المدنية في العراق، وإسرائيل، والبحرين، والكويت، والأردن، والإمارات، والسعودية. ورغم أنها وقفت على الحياد خلال ضربة حزيران/يونيو 2025 الإسرائيلية على البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، إلا أنها أصبحت نشطة للغاية في الأسابيع الأخيرة، وفق تقارير. يمكن تفسير إعادة تشغيلها بأنها ترتبط بحسابات إيرانية معينة، أي (مرحلة التفاوض الحالية) وليس ردة فعل تلقائية لأي استهداف لإيران.
وردت مؤخراً تقارير ومعلومات عن تنسيق الميليشيات العراقية مع “الحوثيين” في اليمن، بل وتسهيل إطلاق صواريخ “حوثية” على السعودية من الأراضي العراقية نفسها. هذا يعني وجود شبكة وكلاء متعددة الجبهات تعمل بتنسيق، لا مجرد جبهات منفصلة تتحرك كل منها بمعزل عن الأخرى.
خلال آب/أغسطس الجاري، قدمت تقارير صحفية تفاصيل أكثر عن العقيدة الإيرانية الجديدة وهي “الكماشة” أو “المثلث الإيراني” لوصف “حزب الله + الحشد الشعبي + الحوثيين” أذرع إيران بالمنطقة. ترتفع احتمالات أن تدفع بهم إيران لبدء مواجهة مع واشنطن وحلفائها، وهو القرار الذي يأتي من طهران وليس من بيروت أو بغداد أو صنعاء.
من السلاح إلى السياسة.. الفصائل العراقية أمام اختبار الدولة
يُفعل “مثلث إيران” بشكل أساسي لإبعاد الحرب عن الأراضي الإيرانية ونقلها إلى الجوار وخاصة الخليجي، بغض النظر عما تجنيه دول تلك الوكلاء من آثار الحروب. بيد أن تفعيل التكامل “العراقي-الحوثي” جاء لتعويض تراجع الحضور العملياتي لـ”حزب الله” في لبنان وانحسار النفوذ الإيراني في سوريا.
أفادت تسريبات من داخل “الحرس الثوري”، نقلاً عن “نيويورك تايمز”، بأن جنرالات بارزين في “فيلق القدس” عقدوا اجتماعات مكثفة مع قادة “حزب الله” و”الحوثي” وفصائل عراقية موالية لطهران لوضع خطط تفصيلية لتوسيع رقعة الاستهداف، مستغلين فترات الهدوء العسكري لإعادة ترتيب الصفوف وتوزيع الأدوار اللوجستية والعسكرية. الهدف المعلن، بحسب مسؤولين إيرانيين، هو دفع واشنطن لوقف حملتها العسكرية والسياسية والاقتصادية ضد إيران عبر رفع الكلفة السياسية والاقتصادية لأي تصعيد.
أشارت تقديرات حديثة إلى أن إيران تهدف لتحويل العراق إلى منصة لوجستية مشتركة لتنسيق هجمات متزامنة بين أكثر من فصيل، وهو ما يفسر لماذا الفصائل العراقية تحديداً، رغم أنها ليست الأكثر شهرة، أصبحت عقدة مركزية في عقيدة “المثلث”، وسط دعم صيني وروسي لطهران، وفق عدة تقارير غربية.
لكن، وبالنظر إلى أن الدولة العراقية تحاول السيطرة على الميليشيات المدعومة من إيران، مما ينذر بوقوع أحداث عنف داخل العراق نفسه، حيث ترفض حكومتها أن تستخدم إيران أراضيها لشن هجمات. وبالتالي، وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن هذا النمط ليس تناقضاً عشوائياً بل يعكس منطق تفاوضي مألوف في حالات الحروب: استخدام هدنة الميدان لتحضير أوراق ضغط للجولة التالية من التصعيد المحتمل، لا للتخلي عن خيار المواجهة.
لذلك، فإن المفاوضات العلنية حول مضيق هرمز والملف النووي، بالتوازي مع التحركات العسكرية الإيرانية، تبدو مساراً واحداً بوجهين؛ الأول يتمثل في كسب الوقت وتخفيف الضغط الاقتصادي، والثاني في الحفاظ على قدرة إيران على المناورة في حال انهارت المفاوضات، بما يضمن ألا تجد نفسها في موقف عسكري أضعف مما كانت عليه.
في المحصلة، مسار المراوغة وكسب الوقت قبل انتخابات التجديد النصفي الذي تنتهجه طهران قد يمنحها هامشاً مؤقتاً للمناورة، لكنه لن يقودها إلى ما ترنو إليه. فكلما طال أمد المفاوضات من دون تنازلات حقيقية، ازدادت الكلفة الاقتصادية والسياسية والعسكرية عليها، فيما تواصل واشنطن توسيع أدوات الضغط وخنق قنوات التجارة والتمويل الإيرانية. وبذلك، قد تتحول سياسة كسب الوقت من ورقة تفاوضية تراهن عليها طهران إلى عامل يستنزف قدرتها على المناورة، ويجعل أي تسوية مقبلة أكثر كلفة وشروطها أصعب، بدل أن تدفع ترامب إلى التراجع قبل انتخابات التجديد النصفي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة