شهادة حيّة لناجٍ من مجزرة داريا: عروس تحولت إلى دماء وأشلاء تحت أنقاض الموت


هذا الخبر بعنوان "وجهه تحت أشلاء طفل وعيناه على القتلة.. ذاكرة ناجٍ من مجزرة داريا تروي الفظائع" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في الساعات التي كان يفترض أن يرتدي فيها عصام قفاعة ثياب الفرح، كان يرتدي سروالاً قصيراً ويختبئ مع عائلته في بناء خلف جامع أبو سليمان الديراني في مدينة داريا بريف دمشق. وعندما حلّ المساء، لم يكن قد بقي من العرس شيء، والده وشقيقه وصهره وأعمامه وأبناء أعمامه صاروا جثثاً من حوله، بينما بقي هو ممدداً تحت الدم والأشلاء، يتظاهر بالموت كي لا يُقتل مرة أخرى.
يقول عصام قفاعة لتلفزيون سوريا، إنه يرى الإعدام في منامه، ويسمع حتى اليوم أنين المحتضرين واستغاثة صديقه الذي نُسف فكه السفلي، ولا يستطيع العودة إلى داريا لأن شوارعها وبيوتها تعيد إليه وجوه أهله في اللحظة الأخيرة.
بين 20 و25 من آب/أغسطس 2012، كانت داريا محاصرة بالنار. قُطعت الكهرباء والاتصالات عن المدينة، وتعرضت أحياؤها للقصف بالقذائف والغارات الجوية، قبل أن تقتحمها قوات النظام المخلوع وتبدأ حملة دهم واعتقالات وإعدامات ميدانية واسعة.
في ذلك اليوم، لجأ عصام إلى قبو في بناء يعود لعائلته. كان معه شقيقاه وصهره، زوج شقيقته، وعدد من أقاربه وأهالي الحي. أما أعمامه، فكانوا مختبئين في الطابق العلوي. دخل جيش النظام إلى الحي في البداية ولم يحصل شيء، فظنّ الأهالي أن المكان أصبح آمناً، فتوافد مزيد من المدنيين إلى القبو هرباً من القصف والمداهمات.
يقول عصام إنه تعرّف من الشارات المثبتة على لباس العناصر إلى مجموعات من المخابرات الجوية والفرقة الرابعة والسرية 215، إلى جانب عناصر من اللجان التابعة للنظام في صحنايا.
عن تفاصيل ذلك اليوم قال عصام إن المختبئين أُخرجوا من القبو وجُمِع معهم أشخاص اعتُقلوا من الشوارع، ثم أُوقفوا في صف طويل ووجوههم إلى الحائط، وتبددت كل الأسئلة تحت الضرب وتردد سؤال واحد فقط: أين المسلحون وليش مجتمعين هون؟
بعد دقائق، أُعيد المعتقلون إلى القبو، حيث أُوقف نحو سبعين شخصاً بمحاذاة ثلاثة جدران، وفي مواجهة البنادق مباشرة. ووسط ضجيج القلق، سُمع صوت عبر اللاسلكي يبدو أنه لضابط كبير يقول: "لماذا لا أسمع صوت إطلاق نار". وبعد تلك الجملة، سأل أحد الضباط رجلاً يقف في أول الصف عن مكان المسلحين، ليرد بأنه يختبئ منهم، لكن الرصاصة كانت أسرع لتخترق صدره، ويبدأ الإعدام الجماعي.
اخترقت رصاصة رقبة عصام بصورة سطحية، وأصابته أخرى في يده. سقط أرضاً بين أقاربه وجيرانه، وبقي ساكناً. إلى جانبه كان ابن عمه رامي، الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة، حيث أصابت النيران بطنه ومزقته وتناثرت أحشاؤه على وجه عصام.
في الطابق العلوي، كانت النساء يصرخن. يتذكر عصام أن أحد العناصر أمر آخر بالصعود لإسكاتهن، فقُتلت نساء، ثم أُنزل رجل يدعى زياد وطفلان لا يتجاوز عمرهما بضعة أشهر لم تُهدر عليهما الرصاصات بل ضُرب رأس كل منهما بحافة الدرج ليفارقا الحياة.
بعد توقف إطلاق النار، وصلت مراسلة تلفزيونية تدعى ميشلين عازار برفقة عناصر من قوات النظام، ووُضعت قطعة قماش على الأرض وقطع سلاح داخل القبو وأُشعلت نار لخلق مشهد يوحي بأن اشتباكاً وقع، وصُوّرت رواية القضاء على خلية إرهابية مسلحة.
بقي عصام نحو ساعة ونصف تحت الجثث، ثم نهض وتفقد الوجوه ليكتشف خسارته: والده، شقيقه، صهره، وأبناء أعمامه بشار ووسام وجميل ورامي، وأعمامه أبو بشار وأبو شاكر وأبو محمد، بإجمالي 74 قتيلاً أحصاهم في القبو. كان علاء النكاش ما يزال حياً بفِكٍّ مفقود يطلب الماء، وكذلك زياد السقا القادر على الحركة.
هرب عصام وزياد واختبآ في شقة غير مكتملة البناء، ثم وصل رجل يُدعى أبو صياح البلاقسي وأخفاه داخل خزان للمياه ريثما حل الظلام ونقله خاله إلى مخبأ آخر.
وثّق فريق التوثيق في داريا أسماء 512 قتيلاً، إضافة إلى نحو مئتي ضحية مجهولة الهوية، ليبلغ عدد القتلى الموثقين 712 شخصاً، اضطر الأهالي لدفنهم في مقبرة جماعية. وما زال عصام يطارده السؤال المؤلم: لماذا بقي وحده كي يحمل كل هذا الموت؟
سياسة
سوريا محلي
ثقافة
سوريا محلي