رواية "بنت الفانكو" للتونسية أماني الزعيبي: رحلة في الذاكرة والغياب وسر الأنساب


هذا الخبر بعنوان "رواية بنت الفانكو.. غياب يكشف الحضور وصمت يوقظ الذاكرة" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ آب ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا ما إن يموت الفانكو، الرجل الذي أحاطته قريته بهالة من السطوة والأسطورة، حتى تفتح وصيته المغلقة باباً لم يستطع الموت إقفاله، وبين الصناديق والرسائل والمفاتيح القديمة، تتقدم حفيدته ريحان نحو سر ابن أوروبي أخفاه الجد لعقود، غير مدركة أن البحث عن الغائب سيعيدها إلى ذاتها وإلى تاريخ عائلتها.
من هذا المشهد تنطلق رواية بنت الفانكو للتونسية أماني الزعيبي، الصادرة حديثاً، لتبني تشويقها على مفارقة جوهرية: الغائب أكثر الشخصيات تأثيراً، والوصية التي يفترض أن تحسم الماضي تعيد فتحه، وتجمع بين الاجتماعي والنفسي والسياسي ضمن سرد متعدد تحركه الذاكرة والأسئلة المؤجلة.
وصية الغائب تعيد ترتيب الحاضرين
لا تؤدي الوصية وظيفة الحيلة الحكائية فحسب، إذ تضع ريحان في مواجهة صورة الجد التي صنعتها القرية، وتحوّل الفانكو من صاحب سلطة حاضرة إلى ذاكرة قابلة للمساءلة، أما الابن المفقود، فيمد سر النسب بين القرية وفضاء أوروبي ظل بعيداً، ويجعل الحقيقة العائلية سؤالاً عن الانتماء وما تصنعه اختيارات الكبار في مصائر الأبناء.
وتكشف العبارة: “أنّ الحياة تجوع ولا تأكل البشر دفعةً واحدة” عن لغة تميل إلى تكثيف التجربة في صورة قاسية، حيث تتعدد أسماء الألم ويبقى الجسد حاملاً لآثاره.
ريحان بين الثورة وذاكرة العائلة
تسير رحلة ريحان في خط عائلي معقد، فالجامعة والشارع والهتاف والحب الأول تعيد السياسي إلى قلب التجربة الذاتية، تتجاور أكاذيب العائلة مع خيبات السياسة، ويصبح البحث عن الاسم الغائب مراجعة للوعود التي منحتها ريحان ثقتها، سواء جاءت من العائلة أم الحب أم المجال العام.
ومن هنا تكتسب البطلة حيويتها: فهي ليست محققة تجمع الأدلة فقط، وإنما ذات تعيد قراءة ماضيها كلما عثرت على ورقة أو رسالة، ويمنح قول الراوية: “إن بعض الكتب ترافقنا أكثر ممّا يفعل الناس” ملمحاً من وحدتها، ويكشف كيف تتحول الأشياء اليومية إلى بدائل عاطفية وذاكرات مصغرة.
الفلسفة تذوب داخل النسيج السردي
تظهر الفنومينولوجيا /علم الظواهر/ هنا من خلال علاقة الشخصية بما تعيشه فالصندوق ليس وعاءً، والرسالة ليست ورقة، والوصية ليست أمراً أخيراً، ولكل منها دلالة تتشكل وفق وعي ريحان وخبرتها وخوفها، ويتقاطع ذلك مع التحليل النفسي عقد النسب والخذلان، إذ تتحول رحلة العثور على الغائب إلى مواجهة داخلية مع الذات.
وتقول أماني الزعيبي في تصريح لسانا: “إن قوة الفنومينولوجيا في الرواية تكمن في خروجها من عجينة السرد بوصفها فلسفة إبداعية راهنية، تهتم بإدراك العالم المعاش والتأمل في الظواهر المجتمعية التي نلتقيها في حياتنا من دون أن ننظر إليها دائماً بعين حصيفة، أو نفكك تفاصيلها وخلفياتها ودواخلها النفسية”.
وتوضح أنها استفادت كذلك من المدرسة النفسية، وتحديداً في الحفر في عوالم الشخصيات وتفكيك عقد النسب والخذلان، مشيرة إلى أن هذه المقاربات الفلسفية والنفسية جاءت مندمجة في بنية الرواية وخادمة للحكاية.
وتضيف: أثناء كتابتي للرواية، كنت أضع نفسي مكان القارئ أيضاً، فالرواية التي لا تورطك في قراءتها لا يمكن أن تكون رواية أثيرة، مبينةً أن رحلة بنت الفانكو تنتهي بسؤال يتجاوز الشخصيات وأحداث الرواية إلى القارئ نفسه: ماذا يتبقى من حكاياتنا وذواتنا عندما تصل الحقيقة متأخرة؟ وهل ثمة وقت يفوت حقاً؟
نبذة عن المؤلفة والكتاب
أماني الزعيبي أكاديمية وباحثة تونسية في الفلسفة وشاعرة وروائية ومترجمة، متخصصة في الفنومينولوجيا، وتجمع في أعمالها بين أسئلة الإنسان والذاكرة والعالم المعاش. أما رواية «بنت الفانكو» فصدرت عام 2026 عن دار مسكيلياني للنشر والتوزيع في تونس، وتقع في 360 صفحة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة