الحكومة تعتمد آلية جديدة لتسعير المازوت وتحديات اقتصادية ترتبط بإدارة الأعباء


هذا الخبر بعنوان "المازوت أمام اختبار السوق" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد أيام من الارتباك الذي رافق ملف أسعار المحروقات، وما فرضه ارتفاع كلفتها من ضغوط على المواطن والنقل والإنتاج والأسواق، اتجهت الحكومة اليوم إلى صيغة جديدة لإدارة سوق المحروقات لاسيما المازوت، لا تقوم على سعر واحد للجميع، وإنما على ربط السعر بطبيعة الاستخدام.
وزارة الطاقة أعلنت على الملأ طرح أنواع متعددة من المازوت بمواصفات وأسعار مختلفة، بالتوازي مع إعادة تشغيل عدد من المصافي المحلية، في محاولة لتأمين المادة وتقليل كلفة الاعتماد على المشتقات الجاهزة المستوردة. وأوضح وزير الطاقة محمد البشير خلال المؤتمر الصحفي اليوم أن تكلفة لتر المازوت المباع بالسعر القياسي تبلغ 206 ليرات مقابل سعر بيع قدره 175 ليرة.
وبحسب النظام الجديد، يبلغ سعر المازوت المدعوم 115 ليرة للتر التدفئة والزراعة والفئات المستحقة، و150 ليرة لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية والآليات الثقيلة، فيما يستمر المازوت القياسي عند 175 ليرة.
الخبير الاقتصادي د. باسم المصطفى يرى في حديثه مع “الوطن” أن الحكومة مشكورة على جهودها لإيجاد حل لهذه المعضلة لكن على ما يبدو أنها انتقلت من مشكلة «سعر المازوت» إلى مشكلة أكبر تتعلق بإدارة كلفة المازوت وتوزيعها، معتبراً أن تعدد الأسعار قد يكون منطقياً من الناحية الاقتصادية، لكن الخطر يكمن في أن يتحول القرار إلى مجرد إعادة توزيع للأعباء من دون معالجة أصل المشكلة.
ويقول المصطفى إن الإعلان عن تكلفة تبلغ 206 ليرات وبيع المازوت بـ175 ليرة يطرح سؤالاً أساسياً حول حجم الدعم الحقيقي ومن يتحمل كلفته، والأهم: هل يصل هذا الدعم إلى المواطن فعلاً، أم تستعيده السوق من المواطن بطريقة غير مباشرة عبر ارتفاع النقل والإنتاج وأسعار السلع؟
ويضيف أن المواطن لا يعنيه كثيراً أن يكون سعر اللتر مدعوماً على الورق إذا كان يدفع الفارق لاحقاً في سعر الخبز أو الغذاء أو النقل أو الخدمات. لذلك، فإن معيار نجاح القرار يجب أن يكون أثره النهائي على تكاليف المعيشة والإنتاج، وليس فقط الفارق بين سعر البيع والتكلفة.
ويرى المصطفى أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يصبح تعدد الأسعار باباً جديداً للمضاربة أو التسرب، خصوصاً مع وجود فارق واضح بين المازوت المدعوم والمازوت القياسي. ولذلك فإن حصر بيع إنتاج المصافي الكهربائية بمحطات محددة يمكن أن يكون خطوة تنظيمية، لكنه لن يكون كافياً من دون رقابة فعلية على الكميات ومسارها ومن يحصل عليها وبأي سعر.
ويشدد على أن الحكومة مطالبة بأن تكون أكثر شفافية في شرح معادلة التسعير: كم تبلغ كلفة الاستيراد؟ وكم تنتج المصافي المحلية؟ وما حجم الكميات المدعومة؟ ومن يتحمل الفارق؟ لأن وضوح هذه الأرقام هو الذي يسمح بقياس ما إذا كان الدعم يذهب فعلاً إلى مستحقيه أم يتحول إلى كلفة إضافية على المالية العامة.
وبحسب المصطفى، فإن إعادة تشغيل المصافي قد تكون نقطة تحول في حال أدت فعلاً إلى زيادة المعروض المحلي وتقليل الحاجة إلى الاستيراد، لكن لا ينبغي تقديم زيادة الإنتاج باعتبارها نجاحاً بحد ذاتها؛ فالنجاح الاقتصادي الحقيقي يبدأ عندما ينعكس ذلك على استقرار السوق وكلفة الإنتاج وقدرة المواطن على تحمل فاتورة الطاقة.
ويخلص إلى أن الحكومة أمام اختبار مزدوج: أن تؤمّن المازوت، وأن تمنع في الوقت نفسه أن يصبح المازوت نفسه سبباً في ارتفاع كلفة الحياة. فالقرار لا يُقاس بعدد الأسعار التي أُعلنت، وإنما بما إذا كان المواطن سيشعر فعلياً بأن العبء انخفض عنه، وبما إذا كانت القطاعات الإنتاجية ستتمكن من العمل بكلفة يمكن تحملها.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد