اقتصاد

بعد رحيل مخلوف: لمن آلت شبكة "سيريتل" التي دفع السوريون ثمنها مرتين؟

zamanalwsl١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:٣٥ م1 مشاهدة
بعد رحيل مخلوف: لمن آلت شبكة "سيريتل" التي دفع السوريون ثمنها مرتين؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "سيريتل بعد مخلوف.. لمن أصبحت الشبكة التي دفع السوريون ثمنها مرتين؟" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تُعد شبكات الاتصالات من البنى التحتية الأكثر التصاقاً بحياة الأفراد، فهي تفتح آفاق المعرفة للطلاب، وتُبقي الموظفين على تواصل مع أعمالهم، وتُقرّب المسافات بين الأمهات وأبنائهن. لكن السوريين، الذين كان من المفترض أن يستفيدوا من أكبر شركة اتصالات في بلادهم، وجدوا أنفسهم يدفعون الثمن مضاعفاً على مدى سنوات؛ مرة عبر فواتير خدمة تتراجع جودتها وتتسع فجواتها، وأخرى بتحويل عائدات الشركة، بدلاً من استثمارها في تطوير الشبكة وتحسين الخدمة، إلى جزء من اقتصاد سلطة استنزفت البلاد وموّلت أدوات القمع والقتل.

في ظل هذه المعطيات، لا تكفي مجرد وعود الإدارة الجديدة لـ"سيريتل" ببدايات مختلفة. فالمشكلات الموروثة تتطلب تفكيكاً وحلولاً جذرية، والسؤال المطروح هو: ما هي الإجراءات التي ستتخذها الإدارة الجديدة لمعالجة هذه التحديات؟ إن الإجابة على هذا السؤال ستكشف ما إذا كانت التوجهات إصلاحية حقيقية أم مجرد إعادة تدوير للإدارات السابقة بأسماء جديدة. وقبل الخوض في ما تقوم به الإدارة الحالية، من الضروري استعراض تاريخ الشركة وعلاقتها بالسلطة قبل التحرير، وما خلّفته تلك المرحلة من بنية تحتية متهالكة وملفات متراكمة.

"سيريتل" في عهد مخلوف: ارتباط وثيق بالسلطة

منذ تأسيسها عام 2001، ارتبط اسم "سيريتل" برامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد وأحد أبرز المستفيدين من قربه من السلطة. لم يكن فساد مخلوف أو السلطة الحاضنة له سراً، فقد فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات عليه عام 2008، متهمة إياه بالاستفادة من الفساد العام والمساهمة فيه، واستخدام الترهيب وعلاقاته بالنظام لتحقيق مزايا تجارية على حساب السوريين. كما أُدرجت "سيريتل" نفسها على قوائم العقوبات بسبب ملكية مخلوف وسيطرته عليها، فيما أشار الاتحاد الأوروبي إلى أن الشركة قدمت دعماً مالياً للنظام. ولم يقتصر الأمر على العلاقة المالية المباشرة؛ فقد وثقت دراسات عن اقتصاد الحرب تمويل جمعية "البستان" التابعة لمخلوف لعشرات التشكيلات المسلحة التي قاتلت إلى جانب النظام.

حتى بعد خلاف مخلوف مع الأسد وإبعاده عن الواجهة، لم تنتقل الشركة إلى ملكية واضحة أو إدارة مستقلة. بل دخلت مرحلة من تشابك الشركات وشخصيات الواجهة، بينما استمرت الشبكة في التقادم وظلت مناطق واسعة خارج نطاق التغطية. وبحسب تقارير صحفية واستقصائية، انتقلت السيطرة الفعلية على "سيريتل"، عقب إبعاد مخلوف، إلى يسار إبراهيم، المستشار الاقتصادي لبشار الأسد وأحد أبرز رجال "المجلس الاقتصادي" الذي كانت تديره أسماء الأسد. ورغم تحقيق الشركة أرباحاً معلنة خلال تلك الفترة التي امتدت لنحو ست سنوات، فإن هذه العوائد لم تنعكس استثماراً ملموساً في الشبكة، كما يظهر من حالة الأبراج المتقادمة والتغطية المحدودة عشية التحرير.

علم الاقتصاد وعقوبات الاتحاد الأوروبي

أدرجت لوائح العقوبات الأوروبية لاحقاً يسار إبراهيم، بصفته مستشاراً اقتصادياً لبشار الأسد وعضواً في المجلس الاقتصادي الذي كانت تديره أسماء الأسد، ووصفته بأنه واجهة لأنشطة تجارية مرتبطة ببشار وأسماء الأسد. كما وثق تحقيق لوكالة رويترز دوره في تنظيم عملية تهريب أموال ومقتنيات ووثائق للنظام إلى خارج البلاد عشية سقوطه في كانون الأول 2024.

ما الجديد بعد التحرير؟ ملكية "سيريتل" وإدارتها الحالية

بعد التحرير، ورثت الإدارة الجديدة شركة مثقلة ببنية تحتية متهالكة، وملفات معقدة وشائكة، وسمعة تجعل أي خطاب صادر عنها موضع شك. ومع ذلك، تشير المؤشرات والتصريحات الرسمية المتاحة إلى أن الصندوق السيادي السوري، وهو مؤسسة عامة ذات طابع اقتصادي مملوكة للدولة، أصبح صاحب الحضور الأبرز في إدارة "سيريتل" وقرارها. وقد انعكس هذا التحول في اختيار إدارة جديدة ذات خبرة إدارية وقطاعية؛ ففي 11 آذار 2026، عُيّن ياسر قحف رئيساً تنفيذياً للشركة، مستنداً إلى خبرة تتجاوز 25 عاماً في مجال الأعمال والإدارة. كما تولى وسيم صبري رئاسة مجلس الإدارة، بالتوازي مع إدارته قطاع الاتصالات في الصندوق السيادي. ويمتلك صبري خبرة طويلة في قطاع الاتصالات، ويعرف "سيريتل" من الداخل بعد أن عمل فيها قبل اندلاع الثورة عام 2011.

تدعم فرضية حضور الصندوق تصريحات مدير الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد وتصريحات رئيس مجلس إدارة الشركة في ملتقى استثماري خارجي. ويمثل ذلك انتقالاً مهماً بعيداً عن احتكار دائرة ضيقة لموارد الشركة، ويمنح إدارتها الجديدة ثقلاً مهنياً تحتاجه لمواجهة المشكلات المتراكمة. وتعكس هذه التغييرات تحولاً في طريقة إدارة الشركة، من مرحلة ارتبطت لسنوات بأسماء وشبكة مصالح محددة، إلى إدارة تحاول تقديم نفسها باعتبارها أكثر اعتماداً على الخبرة والإدارة المهنية. إلا أن الحكم على هذا التحول لا يمكن أن يقوم على التعيينات وحدها؛ فالاختبار الأهم هو ما تنتجه الإدارة الجديدة على أرض الواقع: حجم الاستثمار في الشبكة، سرعة تطوير البنية التحتية، التوسع الجغرافي، ونوعية الخدمات التي تصل إلى المشترك. وهنا، تصبح الأرقام أكثر أهمية من الخطاب، لأنها تسمح بقياس الفارق بين ما كانت عليه الشركة وما أصبحت عليه، وتبقى الشفافية الدليل الأكثر حسماً على اكتمال قطيعة الشركة مع ماضيها. فهل تغيرت "سيريتل" حقاً؟

"سيريتل" بالأرقام: بداية قابلة للقياس

قبل التحرير، لم تكن مشكلة "سيريتل" مرتبطة فقط بضعف التغطية وتقادم بعض المواقع، بل أيضاً بمستوى الاستثمار في تطوير الشبكة. وتقول "سيريتل" إن شبكتها كانت تضم 2925 برجاً بتقنيات محدودة. أما بعد التحرير، فتشير الشركة إلى أن واقع البنية التحتية للشبكة بدأ يشهد تحولاً ملحوظاً، مع التوسع في استخدام التقنيات الحديثة. فقد عملت الشركة على تطوير الشبكة، ليرتفع عدد الأبراج العاملة بتقنية 4G إلى أكثر من 4131 برجاً، من بينها أكثر من 1088 برجاً تم تزويده بتقنية 4G+، إضافة إلى أكثر من 68 برجاً زود بتقنية 5G، التي دخلت الشبكة للمرة الأولى. وتعني هذه الأرقام أن عدد الأبراج العاملة بتقنية 4G وحدها بات يزيد بنحو 41.2% على العدد الإجمالي للأبراج المذكور للمرحلة السابقة. ولا يقتصر التغيير، بحسب الشركة، على تحديث التقنيات، بل يشمل أيضاً إعادة تأهيل مواقع قائمة وإنشاء مواقع جديدة، والتوسع إلى مناطق لم تكن "سيريتل" حاضرة فيها خلال سنوات ما قبل التحرير، بينها حلب وإدلب والمناطق الشرقية. ومن التحديات التي ترافق هذا التوسع أيضاً عودة ملايين المهاجرين إلى مناطق تعرضت لدمار واسع، مما يضع ضغطاً إضافياً على البنية التحتية للاتصالات، ولا سيما في مناطق كانت أصلاً خارج الشبكة أو محدودة التغطية، مثل الغوطة الشرقية وأجزاء من ريف حلب وريف اللاذقية.

لا تكفي هذه الأرقام وحدها للقول إن مشكلة الشبكة قد حُلّت، لكنها تقدم أساساً واضحاً لقياس الفرق بين المرحلتين. فالمقارنة هنا لا تقوم على الانطباع، بل على عدد الأبراج، والتقنيات التي دخلت الخدمة، والمناطق التي عادت إليها الشبكة. ويبقى الاختبار الأهم هو استمرار هذا الاستثمار وترجمته إلى تغطية أفضل وخدمة أكثر استقراراً للمشتركين.

601 برج في 2026: هل تتحول الأرقام إلى تغطية؟

بعد النظر إلى تطوير التقنيات، يبقى المشترك يختبر التغيير بطريقة أبسط: هل أصبحت الإشارة أقوى؟ وهل وصلت الشبكة إلى منطقته؟ تقول "سيريتل" إنها، منذ بداية عام 2026 وحتى وقت كتابة هذه الكلمات، أنجزت إنشاء وترميم 601 برج، بمعدل يقارب 71 برجاً بالشهر، بالإضافة إلى ترقية أكثر من 1060 برجاً بتقنيات جديدة وسعات أكبر. إذا استمرت وتيرة البناء نفسها، فقد يحتاج إنجاز المتبقي المطلوب إلى نحو ثلاثة أعوام. لكن هذه حسبة نظرية، إذ لا نعرف ظروف المواقع التي أُنجزت، ولا إن كانت الوتيرة ستثبت أو تتراجع أو تتسارع. وقد تسمح زيادة فرق التنفيذ، وتسريع التوريد والتراخيص، وتراكم الخبرة، ورفع الاستثمار بإنجاز أسرع.

لفهم حجم هذا النوع من التحول، من الجيد النظر إلى تجارب أسواق أخرى مرت بمراحل من محدودية انتشار التقنيات الحديثة ثم توسعت فيها تدريجياً. ففي العراق، تشير بيانات البنك الدولي إلى أن انتشار خدمات 4G ظل محدوداً حتى عام 2020، قبل أن تبدأ مرحلة التوسع في الخدمة مع تجديد تراخيص المشغلين وإطلاقها. لا تقدم التجربة العراقية مقارنة مطابقة للحالة السورية، فالظروف والبنية التحتية والبيئة التشغيلية مختلفة، لكنها توضح أن الانتقال التقني في شبكات الاتصالات لا يحدث دفعة واحدة، بل عبر مراحل تبدأ من تحديث البنية القائمة، وتوسيع التغطية، ثم إدخال تقنيات أحدث، حسب الدراسات المتاحة. وتقول "زين العراق" إنها أطلقت 4G-LTE في 2021، ثم أعلنت في 2024 استثمارات كبيرة لترقية الشبكة، وتنفيذ تقنيات جديدة وزيادة السعة وتحديث شبكة التراسل.

هل تعيد "سيريتل" وصل السوريين؟

لم تُخلّف المعارك العسكرية وإهمال الإدارة السابقة شبكة اتصالات ضعيفة فحسب، بل أسهمت أيضاً في تقسيم السوريين بين شبكات ومناطق منفصلة، لكل منها وسائل وشبكات اتصالها الخاصة. ويُحسب للإدارة الحالية للشركة أن إعادة بناء الشبكة لم تقتصر على المناطق التي كانت "سيريتل" حاضرة فيها، بل امتدت إلى مناطق بقيت سنوات خارج الربط المتكامل. ومن الواضح أن لهذه الخطوة أهمية رمزية تفوق مجرد بناء أبراج وشبكات اتصال في مناطق جديدة. وتقول "سيريتل" إن أعمال إعادة التأهيل والإنشاء والتحديث امتدت إلى مختلف المحافظات السورية، وإنها تعمل على تركيب أبراج جديدة وترميم وتحديث الأبراج القائمة، ضمن خطة تستهدف توسيع التغطية على مستوى البلاد. وقد تواصلنا مع "سيريتل" للحصول على أرقام تفصيلية حول ما أُنجز منذ التحرير. وتقدم الشركة اليوم بيانات عن أعمال تطوير الشبكة، وتوزّع الأبراج، والتقنيات المستخدمة، بما يتيح الانتقال من الحديث العام عن "تحسين الشبكة" إلى متابعة أرقام يمكن قياسها ومقارنتها من فترة إلى أخرى. وفي مادة تبحث عن تحول بهذا الحجم، ربما تكون هذه واحدة من أهم النقاط: أن يصبح ما تنفذه الشركة قابلاً للمتابعة والقياس، لا مجرد وعود عن المستقبل.

الإنترنت: سوق عمل جديد

أضعف الإنترنت البطيء والمتقطع فرص السوريين في التعليم والعمل عن بُعد. هذه ليست خسارة هامشية؛ ففي 2025، بلغت صادرات الخدمات القابلة للتقديم رقمياً نحو 5.4 تريليون دولار، وأصبحت تمثل 56% من إجمالي صادرات الخدمات العالمية، فيما بلغت الصادرات الرقمية للبلدان النامية نحو 1.3 تريليون دولار. أما في سوق العمل، فيُقدّر البنك الدولي عدد العاملين عبر المنصات الرقمية حول العالم بما يتراوح بين 154 و435 مليون شخص. لهذا، فإن تطوير شبكة الاتصالات لا يتعلق فقط بأن تصبح المكالمة أوضح أو أن تزداد سرعة الإنترنت، بل يرتبط مباشرةً بقدرة السوريين على الوصول إلى التعليم، والعمل عن بُعد، والخدمات الرقمية، والأسواق خارج حدود مناطقهم.

وبحسب الأرقام المعلنة من "سيريتل"، شهد الاستثمار في شبكة 4G منذ التحرير حتى اليوم زيادة تتجاوز 90%، فيما بلغت الزيادة في شبكة 4G+ نحو 26%. وتضع الشركة أمامها خلال العام الحالي أهدافاً لاستكمال تطوير الشبكة وتوسيع نطاق خدماتها، من بينها إنشاء ما يصل إلى 1000 برج جديد، والعمل على تغطية أكثر من 90% من المناطق، وتوفير الخدمة لأكثر من 85% من المواطنين. هذه الأهداف لا تعني أن التغطية وصلت فعلاً إلى هذه المستويات، بل إنها أهداف معلنة تضع "سيريتل" تحت الاختبار.

من استعادة الشبكة إلى بناء شبكة وطنية: هل تنجح "سيريتل"؟

تشير الخطوات التي اتخذتها "سيريتل" منذ التحرير إلى أن الشركة بدأت مساراً جاداً نحو العودة إلى السوريين، غير أن تثبيت هذا التحول يتطلب استكمال ما بدأته. فما تزال فجوة الأبراج كبيرة، والتغطية ضعيفة في مناطق عديدة، كما أن تجاوز إرث اسم التصق طويلاً بالفساد وتمويل النظام البائد يحتاج إلى وقت ونتائج متراكمة يلمسها المشتركون في حياتهم اليومية. لكن تجاهل ما بدأ يتغير ليس حياداً أيضاً، فقد أصبحت أمامنا أرقام وبيانات يمكن اختبارها وتتبع تطورها، من بينها: الانتقال في طريقة إدارة الشركة، وعدد الأبراج المنجزة والمخطط لإنجازها، والتوسع في مختلف المحافظات السورية، والترقية المستمرة للشبكة. أمام "سيريتل" اليوم فرصة للتحول بحق إلى شركة وطنية لجميع السوريين، ومن الواضح أنّ المسار العام والمعطيات المتوفرة يدعمان هذا الاتجاه، وهو ما يأمله السوريون الذين ينتظرون تطور مشغلهم الوطني.

شارك الخبر: