سوريا ليست عدواً: دعوة لتجاوز المنطق وخيانة الذاكرة في ظل الاحتلال


هذا الخبر بعنوان ""لا تخلقوا من سوريا عدواً".. انقلاب المنطق وخيانة الذاكرة" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يمكن اعتبار كل دعوة للسلام وتجاوز العداء انتصاراً للعقل على الغريزة. هناك فرق جوهري بين السلام الذي يعيد الحقوق لأصحابها، والسلام الذي يطبع اغتصاب تلك الحقوق ويجعله أمراً عادياً وقابلاً للنسيان. من هذا المنطلق، يمكن قراءة لقاء ميساء قباني مع التلفزيون الإسرائيلي ليس كمجرد ظهور إعلامي، بل كتعبير عن خطاب سياسي يحاول القفز فوق الأسئلة الأساسية المتعلقة بالاحتلال، والعدالة، والحقوق، والمسؤولية التاريخية. فإسرائيل ليست مجرد دولة اختلفنا معها سياسياً، بل كيان استيطاني يحتل الجولان ويفرض نظام فصل عنصري على الفلسطينيين.
رفض التطبيع ليس رفضاً للسلام، بل رفض لتحويل الاحتلال إلى وضع طبيعي. هذه ليست مسألة سوء تفاهم يمكن إصلاحه بابتسامة، أو تلاعب بالكلمات، أو خصومة وجدانية. إنها قضية حقوق مغتصبة، وشعب اقتُلع من أرضه، واحتلال مستمر تتجدد آثاره يومياً في حياة الملايين في سوريا ولبنان وفلسطين. لذلك، فإن رفض التطبيع هو رفض لتحويل الاحتلال إلى وضع طبيعي، وليس عداءً لليهود كبشر، بل موقف أخلاقي وسياسي من استعمار واحتلال وفصل عنصري. إنه رفض لمنح العلاقات الطبيعية والتطبيع كمكافأة على استمرار الظلم، خاصة وأن الجرح ما يزال مفتوحاً واليد التي أحدثته ترفض الاعتراف بمسؤوليتها.
التطبيع لا يقتصر على تبادل السفارات أو توقيع الاتفاقيات، بل يبدأ بتفريغ الاحتلال من معناه الوطني والأخلاقي، وجعل العلاقة مع المحتل مسألة علاقات عامة، والاستعاضة عن سؤال العدالة بسؤال حسن النية، ومطالبة أصحاب الأرض المحتلة بإثبات عدم كراهيتهم للمحتل. المفارقة تكمن في أن يأتي هذا الخطاب في وقت لا تزال فيه غزة جرحاً مفتوحاً في ضمير الإنسانية، وتشهد فيه حركة المقاطعة العالمية تزايداً، وتتعالى المطالبات بمحاسبة المتسببين في الإبادة. في هذا السياق، تأتي مخاطبة ميساء قباني للإسرائيليين بلغة الطمأنة، وكأن المشكلة تكمن في الصورة التي يحملها الإسرائيلي عن السوري، لا في سياسات حكومتهم الفاشية تجاه الفلسطينيين والسوريين.
عندما يُقال للإسرائيليين: "لا تخلقوا من سوريا عدواً"، فإن هذه العبارة تقلب المنطق وتعكس العلاقة بين السبب والنتيجة. فالإسرائيليون الذين تطمئنهم قباني هم غالبيتهم يؤيدون الإبادة الجماعية والتهجير، وعدم التخلي عن الجولان. كما أن حملات التشهير ضد المثقفين الإسرائيليين الذين انتقدوا جرائم غزة تكشف صعوبة كسر الإجماع الصهيوني. إذا كان بعض الإسرائيليين يتعرضون للتخوين لمجرد فضحهم للجرائم، فما الذي يجعل خطاب الطمأنة مدخلاً للسلام؟
منطق التطبيع هذا يطلب من الضحية التقدم نحو الجلاد، دون اشتراط تراجع الجلاد. وهنا تتجلى المفارقة الأخلاقية، أن يصبح إثبات حسن النية واجباً على من احتُلت أرضه، بينما لا يُشترط على المحتل تقديم دليل على استعداده لإنهاء الاحتلال. السؤال الأكثر التصاقاً بالكرامة الوطنية والذاكرة التاريخية للسوريين هو: هل كانت إسرائيل صديقاً لسوريا حتى نخشى أن تتحول إلى عدو؟ وهل الجولان المحتل مجرد تفصيل؟ الجولان ليس مجرد مساحة جغرافية، بل حق سيادي وذاكرة بشرية وتاريخ اقتلاع. الصمت عنه في أي خطاب يدعو لعلاقات طبيعية مع إسرائيل هو غياب أخلاقي ومبدئي.
السوريون ليسوا مطالبين بحرب جديدة لتحرير الجولان، ورفض التطبيع ليس دعوة لمغامرة عسكرية. فمن حق الشعب السوري، الذي أنهكته الحروب والاستبداد، أن ينعم بالأمان ويعيد بناء وطنه. الامتناع عن الحرب لا يعني التخلي عن الحق، ورفض التطبيع يعني التمسك بالحقوق، ورفض شرعنة الاحتلال، والدفاع عن القانون الدولي، وعدم منح العلاقات الطبيعية قبل زوال الاحتلال وإنهاء أسباب الظلم. السلام الحقيقي هو رفض تحويل القوة إلى مصدر للشرعية.
يبرز هنا سؤال التمثيل: بأي حق تتحدث السيدة ميساء باسم السوريين جميعاً؟ ومن منحها تفويضاً لتقديم صورة سياسية عن شعب ما زال يسعى لبناء دولته؟ السوريون ليسوا جمهوراً صامتاً، ولا مادة قابلة لإعادة التشكيل. لقد دفع السوريون أثماناً فادحة للخلاص من الاستبداد، وليس في واردهم الاستعاضة عن الديكتاتورية بالخضوع لإملاءات القوى الخارجية. التحرر من الخطاب الرسمي البائد الذي استخدم القضية الفلسطينية والجولان لتبرير القمع لا يعني التخلي عن فلسطين أو الجولان. فالقضية العادلة لا تفقد عدالتها لأن طاغية تاجر بها.
الأوطان لا تُحمى بالمجاملات، ولا تُصان السيادة بتطمين من ينتهكها، ولا تُبنى الدولة الحديثة على إرضاء الخارج. إحدى أخطر مغالطات الخطاب التطبيعي هي تقديمه القطيعة مع ماضي الاستبداد وكأنها تستلزم القطيعة مع المبادئ الوطنية والأخلاقية. الحداثة ليست نسياناً للعدالة، والانفتاح ليس تخلياً عن الحقوق. ليس المطلوب من سوريا أن تقدم صورة "كيوت" لطيفة ومنزوعة من تاريخها وصراعها وحقوقها، لكي تحظى بالقبول.
ما يجعل سوريا قوية ليس التطبيع مع الاحتلال، بل بناء دولة القانون والمواطنة المتساوية، دولة تحترم الإنسان وتصون الحريات. أخطر ما في التطبيع أنه لا يبدأ دائماً بإعلان التنازل عن الحقوق، بل بابتسامة، أو عبارة طمأنة، أو مقابلة تلفزيونية. ثم تتوالى الخطوات الصغيرة التي تعيد تعريف الممكن والمقبول، حتى يغدو ما كان استثناءً أمراً مألوفاً.
التنازلات الكبرى لا تأتي دفعة واحدة، بل تسبقها تنازلات رمزية وتبدلات بطيئة في اللغة، ومحاولات لترويض الذاكرة. ليس المقصود الحكم على النوايا الشخصية لميساء قباني، بل مساءلة المعنى السياسي والأخلاقي لهذا الخطاب. فحتى النوايا الحسنة لا تمنح التطبيع براءة تلقائية.
رفض التطبيع ليس انغلاقاً على المستقبل، بل رفض لمستقبل يُبنى على إلغاء الماضي دون إنصاف ضحاياه. إنه تمسك بمعيار أخلاقي وقانوني بسيط: لا يجوز أن تتحول الجريمة إلى أمر طبيعي لمجرد مرور الزمن، ولا أن يصبح استمرار الاحتلال حقيقة مقبولة. فالحقوق لا تسقط بالتقادم الأخلاقي. السلام الذي يسبق الحل العادل هو استسلام، والتطبيع الذي يسبق إنهاء الاحتلال هو اعتراف ضمني بشرعية الأمر الواقع.
ما يحتاجه السوريون اليوم ليس إثبات أنهم شعب مسالم، بل إثبات لأنفسهم أنهم قادرون على بناء وطن حر وعادل، لا يساوم على حقوق مواطنيه أو أرضه أو المبادئ الإنسانية. ليس المطلوب أن نورث أبناءنا الحروب، بل ألا نورثهم الهزيمة بوصفها حكمة، أو التنازل بوصفه واقعية، أو النسيان بوصفه فضيلة.
سياسة
سياسة
اقتصاد
سياسة