سياسة

التصعيد الإسرائيلي في جنوب سوريا: أطماع توسعية وحسابات انتخابية ضيقة

حرية برس١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٣ ص3 مشاهدة
التصعيد الإسرائيلي في جنوب سوريا: أطماع توسعية وحسابات انتخابية ضيقة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "التصعيد الإسرائيلي في الجنوب السوري أطماع وتسخين انتخابي" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتجاوز الاستراتيجية الإسرائيلية في جنوب سوريا، المتمثلة في تحركات قواتها بجبل الشيخ وقرى القنيطرة ودرعا على تخوم الجولان المحتل، مجرد مواجهة هواجس أمنية أو اكتساب أوراق تفاوضية. بل إنها تتجه نحو استراتيجية مستدامة تجمع بين الأطماع الجغرافية والحسابات الانتخابية الضيقة. فمع كل فترة انتخابات إسرائيلية، تتحول قضايا الأمن إلى مادة للمزايدات السياسية، حيث يتسابق سياسيو الاحتلال في تل أبيب لتقديم أنفسهم كقوة قادرة على فرض واقع جديد على الأرض. وفي خضم هذا الوضع السوري، يدفع السوريون، وخاصة سكان الجنوب، ثمن هذه الممارسات العدائية، حيث تُنتهك أراضيهم، وتُجرف مزارعهم، ويُهدد رزقهم وأمنهم، ويرتهن مستقبلهم لممارسات يومية عدائية، فضلاً عن انتهاك سيادة الوطن الذي يخرج لتوه من صراع مدمر.

لا تخفي إسرائيل أهدافها المعلنة، فمشروع “سوفا 53” ليس مجرد طريق عسكري أو ساتر ترابي، بل تطمح قيادة الاحتلال إلى استخدامه كأداة لإعادة ترسيم الحدود فعلياً. يمتد هذا المشروع من حضر شمال القنيطرة إلى حوض اليرموك غرب درعا، وعمقه يشير إلى أنه ليس مشروعاً دفاعياً، بل تكتيك هندسي يهدف إلى تحقيق استراتيجية احتلال جديدة. ويتعزز هذا التفسير بقراءة محاولات العدو الإسرائيلي لتعزيز اختراقه للسويداء بدعم مليشيات انفصالية، في محاولة لتغيير خريطة نفوذ الاحتلال في المشرق العربي ككل، وليس فقط الخريطة السورية. وكل ذلك يُساق بذريعة التهديدات الأمنية، بينما تزيد الانتخابات الإسرائيلية من وتيرة هذا التصعيد الخطير.

تتعدد أبعاد التداعيات الخطرة على سوريا، متجاوزة مجرد خسارة الأرض. فمن أبرز هذه التداعيات محاولة الاحتلال إضعاف الحكومة السورية خلال المرحلة الانتقالية التي تعج بالتحديات. وعلى المستوى الاقتصادي، تُكرس سياسات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري فقدان الدولة السورية السيطرة على موارد حيوية، مثل المياه في حوض اليرموك وروافد نهر الأردن، مما يهدد الأمن المائي السوري على المدى البعيد.

أما على المستوى السياسي، فتسعى إسرائيل إلى إبقاء الدولة السورية، وخاصة مناطق الجنوب، في حالة إنهاك دائم، مما يمنع الاستقرار ويحول الجغرافيا إلى ورقة تفاوض. كما تُستخدم المفاوضات الأمنية التي ترعاها واشنطن كساحة للابتزاز، ويصبح السكان في الجنوب رهائن للخوف من الاحتلال، مما يزرع لديهم عدم الثقة بالدولة. وقد ينجم عن هذه الاعتداءات تقطيع أوصال القرى الحدودية وتهجير قسري جديد.

يساهم هذا النهج العدائي التصعيدي في تعميق أزمات سوريا وزرع بذور الفتنة داخل النسيج السوري، عبر تشجيع الطموحات الانفصالية في السويداء، وهو ما يشكل تهديداً وجودياً لوحدة الأراضي السورية والسيادة الوطنية. وأمام هذا التحدي الوجودي، يثور السؤال الوطني حول السياسات المتاحة لتفادي التداعيات وتحويل العدوان إلى فرصة لاستعادة المبادرة.

إن موقف سوريا المتمسك باقتصار المفاوضات مع الاحتلال على الترتيبات الأمنية، والتأكيد على أن الجولان أرض سورية، وعدم الرضوخ لشروط الاحتلال في توقيع اتفاقية لا تضمن الثوابت الوطنية السورية، يمثل نهجاً مبدئياً ضرورياً يضمن مصلحة سوريا بمنع إسرائيل من المناورة والابتزاز واستغلال الواقع السوري. ويعتبر العمل الدبلوماسي والقانوني في هذه المرحلة أداة فعالة، عبر توثيق الانتهاكات ورفع ملفات الاعتداءات إلى مجلس الأمن والجمعية العامة، وربما لاحقاً أمام محكمة العدل الدولية. فالملف القانوني والحملات الدبلوماسية المتواصلة، عربياً ودولياً، تجعل كل خطوة إسرائيلية مكلفة سياسياً، مهما بدا هذا الجهد غير منتج على المدى القصير.

ويقدم نضال الشعب الفلسطيني على هذا المسار نموذجاً مكافحاً يبرز أهمية تحويل القضايا العادلة إلى رأي عام عالمي. وسوريا اليوم بحاجة إلى “دبلوماسية المواطن” أيضاً، لا الاكتفاء بالجهد الرسمي الحكومي، لتحويل معاناة السكان في القنيطرة ودرعا إلى قضية عالمية، عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومنابر المنظمات الحقوقية، والإعلام الدولي، وتجمعات الشتات السوري.

على مستوى آخر، تحتاج سوريا أكثر من أي وقت مضى إلى تبني تحالفات مصالح، لا الانخراط في صراع المحاور. وفي مقدمتها التحالف مع تركيا، التي تستشعر خطراً جدياً على أمنها القومي جراء سياسات الاحتلال الإسرائيلي، كذلك الأردن ولبنان والعراق، وهي دول تعيش هاجس وقلق الفوضى التي يمكن أن يفجرها نهج الاحتلال العدواني. وتجد دول الخليج ومصر نفسها في خضم تداعيات التفلّت الإسرائيلي الدائم الذي يزعزع الاستقرار في الإقليم برمته. وكل هذه مصالح مشتركة تتقاطع مع الهواجس والمصالح السورية، ما يمكن أن يكون دافعاً للحديث الجدي إقليمياً عن جبهة ضغط واسعة، تساهم في تحصين سوريا من السياسات العدوانية الإسرائيلية دون أن تحولها إلى ساحة صراع بين قوى إقليمية.

أما الحصن الحقيقي الذي يكفل مناعة سوريا تجاه مشروع الهيمنة الإسرائيلية، فيتمثل قبل كل شيء في وحدة وطنية جامعة، يمثلها جيش وطني ومؤسسات أمنية وسياسية وإدارية تمثل جميع السوريين. واستمرار العمل البناء على خطة تنفيذ اتفاق دمج قسد، والمبادرة إلى وضع تصورات عملية لحل إشكالية السويداء واستعادتها إلى الدولة السورية، والتمسك بنهج ومسار دولة المؤسسات والحريات وسيادة القانون، وتحصين مسار إعادة البناء بالحوكمة ومكافحة الفساد، وتمكين المجتمع من طي إرث حقبة الاستبداد والصراع بعدالة انتقالية شاملة. وعودة كريمة آمنة للاجئين والنازحين، وإقرار سياسات تعافي شاملة في قطاعات الاقتصاد والتعليم والصحة والخدمات الأساسية، تجعل من المواطن السوري حصن الدولة الأول بمواجهة كل التحديات، وأخطرها الاحتلال الإسرائيلي. فالبناء الداخلي المتين يمنع الاختراق، والسيادة التامة تُصان بالانتماء الواعي للوطن.

ولا يفوتنا التأكيد على دور الإعلام في معركة الرأي العام. فمواجهة الاحتلال مهمة تستوجب دوراً محورياً للوعي الشعبي الذي يساهم في تأسيسه وإنضاجه الإعلام السوري، الرسمي والخاص والمجتمعي. وهو دور يمتد إلى ساحة الرأي العام العالمي، فالعالم يتأثر على نحو أعمق بالصور والقصص والأرقام، أكثر مما يتفاعل مع المواقف السياسية الرسمية. إن تجربة السوريين مع ثورتهم التي طالت عقداً ونصف العقد، وما تكبدوه من أثمان لقاء كرامتهم وحريتهم، علمتهم أن الأهداف لا تتحقق بانتصارات سريعة، بل بالصبر والإدارة الذكية للفرص. وأبرز الفرص التي يمكن الاستفادة منها في مواجهة تحدي الاحتلال وعدوانه هو بناء نموذج الدولة القادرة على إدارة الاختلاف والتنوع في مجتمعها، ومخاطبة العالم بمنطق المصالح المشتركة. خاصة أن استقرار سوريا شرط ضروري لاستقرار الأمن الإقليمي والدولي. وإدارة ذكية لأزمة الصراع مع الاحتلال في الجنوب السوري تبدو فرصة وبوابة لاستعادة القرار الوطني والسيادة، وبناء دولتنا التي نحلم بها قوية عزيزة.

شارك الخبر: