سوريا محلي

التحرش والابتزاز الإلكتروني في سوريا: بين الخوف من الوصمة وضرورة طلب الحماية

enabbaladi.net١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٥ ص2 مشاهدة
التحرش والابتزاز الإلكتروني في سوريا: بين الخوف من الوصمة وضرورة طلب الحماية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "التحرش والابتزاز الإلكتروني في سوريا.. الخوف من الوصمة وطلب الحماية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تعد المضايقات التي تتعرض لها النساء والفتيات السوريات عبر الإنترنت تقتصر على الرسائل ذات الإيحاءات الجنسية أو التعليقات غير المرغوبة، إذ قد تتطور في بعض الحالات إلى تهديد بنشر صور أو معلومات شخصية، أو محاولة ابتزاز الضحية لدفع المال أو الاستجابة لمطالب لا ترغب بها. ولا تتوقف آثار هذه التجارب عند حدود العالم الرقمي، إذ قد تنعكس على شعور المرأة بالأمان وثقتها بنفسها وبالآخرين، وتدفعها إلى العزلة أو التردد في طلب المساعدة، خصوصًا عندما تخشى أن تتحول الواقعة إلى موضوع للوم أو التشهير داخل محيطها الاجتماعي. وفي ظل هذه المخاوف، تبرز أهمية معرفة الخطوات التي يمكن اتخاذها عند التعرض للتحرش أو الابتزاز الإلكتروني، وكيفية الحفاظ على الأدلة وطلب المشورة القانونية والنفسية، بعيدًا عن تحميل الضحية مسؤولية ما تعرضت له.

من الرسائل إلى التهديد والابتزاز

تعرّف المحامية منار موّنس، التحرش الإلكتروني بأنه سلوك عبر الإنترنت يسبب الإزعاج أو الإساءة للشخص المستهدف، الذي لا يرغب بالتواصل مع الطرف الآخر، موضحة أن التحرش لا يقتصر بالضرورة على الكلام ذي الإيحاءات الجنسية، بل قد يشمل أفعالًا أو رسائل مسيئة أو مزعجة بحسب طبيعتها وسياقها. وتشير المحامية في حديثها مع عنب بلدي، إلى أن قانون العقوبات السوري وقانون مكافحة الجريمة المعلوماتية لا يتضمنان تعريفًا مستقلًا وواضحًا للتحرش الإلكتروني بوصفه مصطلحًا قانونيًا، لكن ذلك لا يعني أن الأفعال المرتكبة عبر الإنترنت لا تخضع للمساءلة، إذ يتوقف التكييف القانوني على طبيعة الفعل والوقائع والأدلة المتاحة. كما لا يشترط لوقوع التحرش أو الابتزاز أن تكون العلاقة بين الطرفين قد بدأت بالإكراه، إذ قد تحدث هذه الممارسات حتى في إطار علاقة شخصية قائمة على الرضا والثقة. كما أن مشاركة المرأة صورًا أو معلومات خاصة بموافقتها، “لا تمنح الطرف الآخر الحق في استخدامها لاحقًا لتهديدها أو الضغط عليها” بحسب المحامية. وتضيف أن المرأة قد تكون شاركت هذه المعلومات في إطار علاقة شعرت خلالها بالأمان، سواء كانت مع صديق أو خطيب أو زوج أو حبيب أو أحد أفراد العائلة، لكن طبيعة العلاقة السابقة لا تبرر استخدام خصوصيتها ضد إرادتها.

ماذا تفعل المرأة عند التعرض للتهديد أو الابتزاز؟

تنصح المحامية بعدم الاستجابة لمطالب الشخص الذي يهدد الضحية، سواء طلب منها إرسال المال أو صور إضافية أو القيام بأي فعل لا ترغب به، مع ضرورة الاحتفاظ بالأدلة قبل حظر الحساب أو اتخاذ خطوات أخرى. والأدلة تشمل لقطات الشاشة للمحادثات مع ضمان ظهور اسم الحساب أو رقم الهاتف بوضوح، مع الحفاظ على تسلسل المحادثة وعدم اقتطاع أجزاء منها، إلى جانب نسخ الرابط الخاص بموقع التواصل الاجتماعي الذي جرى من خلاله فعل التحرش، المضايقة او التهديد. ولا تقل أهمية الاحتفاظ بالأدلة في الحالات التي يكون فيها الشخص مجهول الهوية، تمهيدًا لطلب المشورة القانونية والتقدم بشكوى إلى الجهات المختصة. ولا تقتصر الخطوات على جمع الأدلة، إذ تشدد المحامية على أهمية التواصل مع شخص موثوق وآمن، حتى لا تواجه الضحية التهديد وحدها، خصوصًا أن الخوف والضغط النفسي قد يدفعانها إلى الاستجابة لمطالب المبتز. وبعد حفظ الأدلة وطلب الدعم، يمكن للمرأة اللجوء إلى استشارة قانونية لمعرفة الخيارات المتاحة والإجراءات المناسبة بحسب طبيعة الواقعة.

الحساب المجهول.. هل يمكن الوصول إلى صاحبه؟

عدم معرفة هوية الشخص الذي يرسل التهديدات لا يعني بالضرورة تعذر ملاحقته، إذ يمكن التقدم بشكوى وطلب إجراء التحقيقات التقنية اللازمة لكشف هويته. بحسب ما شرحت المحامية لعنب بلدي، فإن الجهات المختصة تتولى جمع المعلومات والأدلة الرقمية، حيث تُحال القضية إلى فرع مكافحة الجريمة في المنطقة، لتحديد هوية المستخدم بالاستناد إلى البيانات المتاحة لدى مزودي خدمات الاتصالات والإنترنت. كما تحذر المحامية من محاولة الاستعانة بأشخاص يدّعون قدرتهم على كشف هوية المبتز بطرق غير رسمية “الهاكر”، إذ قد يؤدي ذلك إلى تعريض الضحية لمخاطر إضافية، بما فيها الابتزاز المالي أو إساءة استخدام معلوماتها الشخصية. وتُلفت المحامية إلى أهمية عدم انتظار تطور التهديد أو نشر المحتوى الخاص قبل طلب المساعدة القانونية، إذ إن الاستشارة المبكرة تساعد المرأة على معرفة الخيارات المتاحة والتعامل مع الواقعة وفق طبيعتها.

لماذا تتردد النساء في الإبلاغ؟

لا يرتبط التردد في طلب المساعدة دائمًا بالخوف من الشخص الذي يمارس التهديد، بل قد يتصل أيضًا بردود فعل المحيط الاجتماعي، إذ إن بعض النساء يخشين انكشاف الواقعة، خصوصًا إذا كانت هناك علاقة سابقة مع الشخص المبتز أو إذا كنّ قد أرسلن صورًا أو معلومات خاصة بموافقتهن. وفي مجتمعات تتأثر بالعادات والتقاليد والسلطة الأبوية، قد تخشى المرأة أن تتعرض للوم أو التشكيك بدلًا من تلقي الدعم، أو أن تُحمَّل مسؤولية ما حدث بسبب طبيعة علاقتها بالشخص الآخر. إلا أن المحامية تؤكد أن طلب المشورة القانونية ليس “فضيحة”، بل خطوة لحماية الخصوصية والحقوق. يارا شابة مقيمة في دمشق تحدثت لعنب بلدي عن ما جرى معها قبل نحو عام، حيث تعرضت لتهديد عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي من شاب لا تعرفه، ولجأت إلى القانون لمتابعة القضية، وانتهى الأمر بمعاقبة الشخص بغرامة مالية والحبس لمدة شهرين، بحسب إفادتها لعنب بلدي. وقالت: “يمكن أن تكون العقوبة غير شافية، لكنها قد تصبح رادع كي لا يعيد هذا التصرف معي أو مع غيري”. وتعكس تجربة يارا إمكانية اللجوء إلى المسار القانوني في مواجهة التهديدات الإلكترونية، رغم أن الإجراءات قد تتطلب وقتًا وجهدًا. وفي هذا السياق تشير المحامية منار موّنس، إلى أن بعض القضايا قد تستغرق وقتًا أطول، ولا سيما عندما يكون المشتبه به خارج سوريا، ما قد يضيف إجراءات إلى مسار التقاضي، لكنه لا يعني بحد ذاته استحالة ملاحقته قانونيًا.

الآثار النفسية.. خوف يمتد إلى الحياة اليومية

لا تقتصر آثار التحرش الإلكتروني على لحظة تلقي الرسالة أو التهديد، بل قد تستمر بعد توقف التواصل، وتؤثر في شعور المرأة بالأمان وعلاقاتها اليومية. يقول وجدي المحيثاوي، اختصاصي علم النفس الإكلينيكي والسريري، لعنب بلدي، إن الآثار النفسية للتحرش الإلكتروني قد تكون مماثلة في شدتها لبعض الآثار المرتبطة بالتحرش الجسدي، موضحًا أنها تتراوح بين القلق والخوف والإحراج والشعور بانتهاك الخصوصية، وقد تصل إلى فقدان الثقة بالنفس وبالآخرين. ويضيف أن بعض النساء قد يعانين العزلة واضطرابات النوم أو أعراضًا مرتبطة بالصدمة النفسية، كما قد تظهر لدى بعض الأشخاص الذين لديهم استعداد مسبق أعراض بارانوئية، وفق تعبيره. ويضيف أن شعور المرأة بأنها مُصدَّقة وليست وحدها يمثل جزءًا مهمًا من عملية التعافي، خصوصًا عندما تواجه الخوف من ردود فعل الأسرة أو المجتمع. وتتقاطع هذه النصيحة مع ما تؤكده المحامية بشأن أهمية وجود شخص آمن تلجأ إليه المرأة قبل اتخاذ قرارات تحت ضغط التهديد أو الخوف. في ختام الحديث، توجه المحامية رسالة إلى النساء والفتيات اللواتي تعرضن للتحرش أو الابتزاز الإلكتروني، مؤكدة أنهن لسن مسؤولات عن استغلال خصوصيتهن أو تهديدهن، وتدعوهن إلى عدم مواجهة التهديد وحدهن، والاحتفاظ بالأدلة، وطلب المشورة القانونية في وقت مبكر، مع الاستعانة بأشخاص موثوقين لتجاوز الضغط النفسي المصاحب لهذه التجارب. أما المحيثاوي، فيشدد على أهمية عدم لوم الذات، والتعبير عن المشاعر وطلب الدعم عند الحاجة، مؤكدًا أن الاستماع والتصديق وتوفير الأمان النفسي خطوات أساسية في مساعدة المرأة على تجاوز التجربة.

شارك الخبر: