سياسة

سورية في اليمن: خطأ استراتيجي وتناقضات سياسية يجب تجنبها

حرية برس١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٤ ص2 مشاهدة
سورية في اليمن: خطأ استراتيجي وتناقضات سياسية يجب تجنبها

تنويه

هذا الخبر بعنوان "لماذا ينبغي أن تتجنّب سورية صراع اليمن؟" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

إذا تأكدت التقارير حول نية السلطة الانتقالية في سوريا إرسال قوات للمشاركة في القتال باليمن، فإن ذلك يمثل خطأ سياسيًا واستراتيجيًا جسيمًا، تتجاوز عواقبه حدود الأزمة اليمنية، وتضع السوريين أمام مفارقات يصعب تبريرها. لا يتعلق الأمر هنا بحق سوريا الأصيل في بناء التحالفات أو واجبها في الدفاع عن أي دولة عربية تتعرض لعدوان، بل بالفرق الجوهري بين الدفاع عن الحلفاء والانخراط في حروب أهلية عربية ذات امتدادات إقليمية ودولية، لن يؤدي تدخلنا فيها إلا إلى تفاقم الأوضاع، خاصة وأننا لم ننتهِ بعد من تداعيات تدخلات الآخرين في شؤوننا.

لقد رفض السوريون على مدى 14 عامًا تدخل إيران وحزب الله، واستقدام الميليشيات الشيعية من العراق وأفغانستان وباكستان لدعم نظام بشار الأسد في قمع ثورتهم. لم يكن الاعتراض حينها مجرد رفض لهوية القوى المشاركة، بل مبدأ أساسي ضد استقدام مقاتلين ومرتزقة أجانب بأجندات طائفية لحسم صراع داخلي بالقوة لصالح قوى إقليمية لا تتوافق مصالحها بالضرورة مع مصالح الشعب السوري. فكيف يمكن للسلطة التي وصلت إلى الحكم بعد سقوط نظام الأسد أن ترفض تدخل إيران وحزب الله في سوريا، ثم ترسل قوات سورية للتدخل في اليمن؟

لا نقارن هنا بين نظام الحوثي والثورة السورية، فالحوثي لم يكن جزءًا من الثورة اليمنية بل انقلب عليها وركب موجتها للوصول إلى السلطة، وجعل نفسه جزءًا من المشروع الإيراني الإقليمي الذي أضر بالمنطقة بسلوكه الطائفي. مغزى المقارنة هو أن أي تدخل سوري محتمل في اليمن سيضعف قدرة دمشق على الدفاع عن مبدأ رفض التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية، إذا أصبحت هي نفسها طرفًا في صراعات داخلية خارج حدودها.

علاوة على ذلك، ينذر التدخل السوري المحتمل في اليمن بخطر إعادة إنتاج الانقسام الطائفي الذي دفع السوريون والمنطقة ثمنًا باهظًا له خلال العقدين الماضيين. فقد ساهم تدخل إيران وحزب الله في سوريا في إضفاء طابع طائفي على صراع كانت دوافعه الأساسية سياسية، وحول المواجهة من صراع بين شعب يطالب بالتغيير ونظام يتمسك بالسلطة، إلى مواجهة إقليمية تم تصويرها كصراع بين السنة والشيعة. إن إرسال مقاتلين سوريين إلى اليمن لمحاربة الحوثي قد يعيد إنتاج هذا الاستقطاب، خاصة إذا تم تقديم المشاركة السورية كرد فعل على الدور الإيراني السابق في سوريا. عندها، لن يُقرأ الصراع اليمني في سياقه السياسي والتاريخي المحلي، بل سيُدرج ضمن إطار مواجهة سنية-شيعية أوسع، تصبح فيها سوريا طرفًا في اصطفاف مذهبي إقليمي، وهذا بالضبط ما يجب تجنبه في بلد مزقته التعبئة الطائفية.

وهذا يقودنا إلى النقطة الثالثة، والأكثر أهمية ربما، والمتعلقة بسياسات السلطة الانتقالية وأولوياتها الوطنية. فسوريا التي خرجت من حرب مدمرة تواجه تحديات هائلة تتعلق بإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتوحيد القوى المسلحة، وإعادة الإعمار، وعودة اللاجئين، واستعادة السيطرة على كامل ترابها الوطني. وفي وقت تتواصل فيه الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، وتبقى أجزاء من الجنوب السوري تحت الاحتلال، سيكون من الصعب إقناع السوريين بأن إرسال قوات إلى اليمن يمثل أولوية وطنية تتقدم على حماية الأراضي السورية نفسها. ومن الطبيعي أن يتساءل السوريون: إذا كان لدينا فائض قوات نرسلها إلى اليمن، فلماذا لا نستخدمها لحماية الأرض السورية وأصحابها الذين يستغيثون لرد الاعتداءات الإسرائيلية اليومية؟ هؤلاء أولى وأقرب وأجدر بالغوث!

لا ينبغي أن يُفهم هذا الكلام اعتراضًا على تعزيز العلاقات السورية السعودية، أو إنكارًا لحق السعودية في الدفاع عن أمنها. على العكس، إذا تعرضت السعودية لاعتداءات عسكرية من الحوثيين أو غيرهم، يجب أن تهب سوريا، وكل دولة عربية، في إطار القانون الدولي والتزاماتها القومية، للدفاع عنها. لكن نعود لنؤكد أن هناك فرقًا جوهريًا بين المساعدة في حماية الأراضي السعودية وإرسال قوات سورية إلى اليمن للمشاركة في صراع داخلي معقد، تتداخل فيه الانقسامات السياسية والقبلية والمذهبية والمصالح الإقليمية.

لقد رفضنا سابقًا استخدام قوى إقليمية لفصائل المعارضة السورية كأدوات في حروبها الخارجية (ليبيا، أذربيجان، أوكرانيا)، وكانت النتيجة تكريس صورة المقاتل السوري الذي يمكن استئجار خدماته العسكرية، بعد أن فقد وطنه ومصدر رزقه، وأصبح مستعدًا للقتال خارج بلاده من أجل المال. هذه الظاهرة تصبح أشد خطورة إذا تحولت إلى سياسة تتبناها الدولة السورية نفسها. لذلك، رجاءً، لا تفعلوها. المصدر: العربي الجديد

شارك الخبر: