اقتصاد

الحراك المالي السوري: من الاجتماعات إلى النتائج الملموسة.. تحدي الحكومة الأكبر

جريدة الوطن١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:١٦ ص1 مشاهدة
الحراك المالي السوري: من الاجتماعات إلى النتائج الملموسة.. تحدي الحكومة الأكبر

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الحراك المالي.. كيف يتحوّل إلى نتائج ملموسة؟" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا تكمن أهمية الحراك المالي الذي شهدته سوريا مؤخراً في كثرة الاجتماعات التي عقدها وزير المالية محمد يسر برنية وحاكم مصرف سوريا المركزي محمد صفوت رسلان مع المؤسسات المالية الدولية والإقليمية والبنوك الكبرى، بل في قدرته على فتح مسارات عملية لمعالجة الاختناقات الاقتصادية وتوفير التمويل اللازم للتعافي وإعادة الإعمار. إن الاتصالات مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبنوك الاستثمار والمؤسسات التنموية، إلى جانب بحث تسوية المتأخرات المالية وتطوير أدوات سوق الدين، تمنح سوريا فرصاً تستحق البناء عليها، لكنها لا تعني بالضرورة أن التمويل أصبح متاحاً أو أن الاستثمارات دخلت مرحلة التنفيذ.

تكتسب هذه اللقاءات أهميتها من تعدد المسارات التي تناولتها، بدءاً من تمويل المشاريع الاستثمارية ومشاريع البنية التحتية، مروراً بتمويل التجارة الخارجية والمستوردات الأساسية، وصولاً إلى الدعم الفني والإصلاح الضريبي وتطوير المالية العامة. كما أن البحث في إنشاء صندوق متعدد المانحين لإعادة الإعمار، والتحضير لشراكة استراتيجية مع البنك الدولي، واستكشاف فرص دخول مؤسسات مصرفية دولية إلى السوق السورية، يشير إلى اتساع نطاق الخيارات المطروحة أمام الاقتصاد.

الاختبار الحقيقي لا يكمن في عدد الجهات التي تبدي اهتمامها، بل في قدرة الحكومة على تحويل هذا الاهتمام إلى اتفاقات واضحة ومشاريع قابلة للتمويل والتنفيذ، وفق أولويات اقتصادية واجتماعية محددة. فالاقتصاد السوري لا يحتاج إلى التمويل كرقم مجرد، بل إلى تمويل ينعكس على المشاريع التنموية في قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والإسكان والزراعة والإنتاج، ويوفر فرص عمل، ويعزز قدرة المنشآت على استعادة نشاطها.

يتطلب استثمار هذا الحراك إعداد قائمة وطنية بالمشاريع ذات الأولوية، تتضمن كِلفها التقديرية، ومصادر تمويلها المحتملة، والجدوى الاقتصادية والاجتماعية منها، والجهات المسؤولة عن تنفيذها، والجدول الزمني المحدد لكل مشروع. من شأن ذلك أن يساعد المؤسسات المانحة والمصارف والمستثمرين على تقييم الفرص بصورة عملية، بدلاً من الاكتفاء بعرض احتياجات عامة واسعة يصعب تحويلها إلى قرارات تمويلية.

كذلك، فإن معالجة المتأخرات المالية والتوصل إلى حلول قابلة للتطبيق بشأنها تمثل خطوة مهمة لاستعادة التعاون مع مؤسسات التمويل التنموي، وفتح المجال أمام استئناف تمويل مشاريع البنية التحتية. يجب أن تسير هذه الجهود بالتوازي مع إصلاحات مالية ومصرفية تعزز الشفافية والنزاهة، وتحسّن إدارة الإيرادات والنفقات، وتطور البيانات والإحصاءات المالية، وتوفر بيئة أكثر وضوحاً وأماناً للممولين والمستثمرين.

لا يمكن فصل فرص التمويل عن قدرة المؤسسات السورية على إعداد المشاريع وإدارتها ومراقبة تنفيذها. فالحصول على التمويل يمثل بداية المسار، بينما يتطلب النجاح إدارة كفوءة وخطة واضحة، ورقابة على الإنفاق، ومتابعة دورية للنتائج، ونشراً للمعلومات المتعلقة بتقدم المشاريع وكِلفها وأثرها بشفافية. تطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص يحتاج إلى قواعد واضحة لتوزيع المخاطر والالتزامات، ما يحمي المال العام ويشجع الاستثمار في الوقت نفسه.

في المحصلة، يمنح الحراك المالي سوريا فرصة لتوسيع خياراتها التمويلية والتنموية، لكنه يضع أمام الحكومة مسؤولية الانتقال من الاتصالات إلى التنفيذ. فالثقة الدولية لا تُبنى بالتصريحات وحدها، بل بقدرة الدولة على تقديم مشاريع جاهزة، وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وإدارة الموارد بشفافية، وإظهار نتائج ملموسة يشعر بها المواطن. عندها فقط يصبح الانفتاح المالي رافعة للتعافي الاقتصادي، لا مجرد محطة جديدة في مسار الاجتماعات.

شارك الخبر: