آلاف التونسيين يحتجون ضد سياسات سعيّد: غلاء المعيشة وتراجع الحريات يلهبان الشارع


هذا الخبر بعنوان "آلاف التونسيين يتظاهرون ضد حكم قيس سعيّد احتجاجاً على الغلاء وتراجع الحريات" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهدت العاصمة التونسية، السبت 17 تشرين الأول 2026، واحدة من أكبر التظاهرات المناهضة للرئيس قيس سعيّد منذ سنوات، بمشاركة آلاف المحتجين الذين خرجوا للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية واستعادة الحريات العامة والإفراج عن المعارضين المسجونين، وسط تصاعد الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجهها البلاد.
وجمعت التظاهرة، التي دعا إليها الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمات من المجتمع المدني، قوى سياسية ونقابية وحقوقية من توجهات مختلفة، في تحرك أعاد إلى شوارع العاصمة شعارات انتفاضة عام 2011، وفي مقدمتها "الشعب يريد إسقاط النظام".
ويأتي هذا الحراك في ظل تزايد الانتقادات لسياسات سعيّد واتهامات المعارضة له بتركيز السلطات بيده، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة، في حين يرفض الرئيس التونسي اتهامات الاستبداد، ويؤكد أن إجراءاته تهدف إلى مكافحة الفساد وحماية الدولة.
قوى نقابية وحقوقية توحد في شوارع العاصمة
شارك أكثر من ثلاثة آلاف شخص في التظاهرة، بحسب وكالة فرانس برس، وسط انتشار أمني كثيف، في حين وصفت وكالة رويترز التحرك بأنه الأكبر ضد حكم الرئيس قيس سعيّد منذ سنوات. وانطلقت المسيرة من ساحة محمد علي، حيث مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، قبل أن تجوب شوارع العاصمة باتجاه شارع الحبيب بورقيبة، الذي شكّل أحد أبرز مواقع الاحتجاجات خلال الانتفاضة التونسية عام 2011.
ورفع المشاركون الأعلام التونسية ولافتات تحمل مطالب سياسية واجتماعية، تحت شعار "تونس أولاً… الشعب فوق كل اعتبار"، وسط انتشار مئات من عناصر الشرطة وإغلاق عدد من الطرق والمداخل أمام حركة السيارات والمشاة.
وشاركت في الدعوة إلى التظاهرة تسع منظمات تونسية، من بينها الاتحاد العام التونسي للشغل، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين، والمنظمة التونسية للأطباء الشبان، وعمادة المحامين. كما انضمت إلى المسيرة أحزاب معارضة من توجهات سياسية مختلفة، بعضها على خلاف منذ سنوات، في مشهد وصفته رويترز بأنه تقارب نادر بين قوى معارضة أضعفت الانقسامات قدرتها على تنظيم تحركات احتجاجية واسعة خلال السنوات الماضية.
وشملت مطالب المحتجين احترام الحريات العامة واستقلال القضاء، والإفراج عن المعارضين المسجونين، ووقف الملاحقات السياسية، إلى جانب حماية الحقوق النقابية وحرية العمل المدني. ورفع المتظاهرون لافتات كُتب عليها "لا ديمقراطية دون حريات"، و"لا كرامة مع الفقر"، و"لا لتجريم العمل المدني والسياسي"، في تعبير عن تداخل المطالب الحقوقية والسياسية مع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
وقال الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، صلاح الدين السالمي، في كلمة أمام المحتجين، إن الصمت لم يعد مقبولاً، معتبراً أن أزمة تونس ترتبط بتفرد شخص واحد بالسلطات، وفق ما نقلته رويترز.
الغلاء وتراجع الخدمات يعمّقان الأزمة الاجتماعية
حضرت المطالب الاقتصادية والمعيشية بقوة خلال التظاهرة، مع تصاعد الاستياء الشعبي من ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية والبطالة وتدهور الخدمات العامة. ورفع المحتجون شعارات تطالب بتحسين ظروف المعيشة وتوفير فرص العمل، معتبرين أن الأزمات الاقتصادية المتلاحقة انعكست بصورة مباشرة على حياتهم اليومية، ولا سيما الشباب والفئات محدودة الدخل.
وعبّر مشاركون في التظاهرة عن استيائهم من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع الحريات، مؤكدين أن غلاء المعيشة والفساد والضغوط الاجتماعية باتت تؤثر في حياتهم اليومية ومستقبل الشباب. ونقلت وكالة "فرانس برس" عن محتجين شعورهم بالاختناق من جراء ما وصفوه بالظلم والقمع، ومطالبتهم بالعيش بكرامة وتحسين الأوضاع المعيشية. فيما نقلت رويترز عن مشاركين انتقاداتهم لتكرار الأزمات، بما فيها نقص المياه وانقطاع الكهرباء، ورفضهم اتهام المعارضين بالتآمر والخيانة، مؤكدين تمسكهم بحقهم في الحرية والتعبير عن آرائهم.
وتعكس هذه التصريحات اتساع دوافع الاحتجاج، إذ لم تعد المطالب مقتصرة على تحسين الأوضاع الاقتصادية، بل امتدت لتشمل قضايا الحريات والحقوق السياسية والمشاركة في إدارة الشأن العام.
اتهامات بتقويض الديمقراطية وسعيّد يرفضها
أعادت التظاهرة الجدل بشأن المسار السياسي الذي تشهده تونس منذ 25 تموز 2021، عندما اتخذ الرئيس قيس سعيّد إجراءات استثنائية أدت إلى تغييرات واسعة في مؤسسات الدولة وتوزيع السلطات. وخلال عامي 2021 و2022، شملت تلك الإجراءات حل البرلمان المنتخب، والحكم بمراسيم رئاسية، وحل المجلس الأعلى للقضاء، وعزل عشرات القضاة، في خطوات وصفتها المعارضة بأنها انقلاب على المسار الديمقراطي الذي بدأ عقب انتفاضة عام 2011.
وتتهم أحزاب معارضة ومنظمات حقوقية محلية ودولية سعيّد بتقويض الضمانات الديمقراطية، وتوسيع نطاق الملاحقات القضائية بحق معارضين وصحفيين ونشطاء في المجتمع المدني. كما تنتقد هذه الجهات استمرار سجن شخصيات سياسية معارضة، معتبرة أن الإجراءات المتخذة خلال السنوات الماضية أسهمت في تضييق المجال العام وإضعاف المؤسسات المستقلة.
في المقابل، يرفض سعيّد الاتهامات الموجهة إليه بالاستبداد والقمع، ويؤكد أنه ليس ديكتاتوراً، وأن الإجراءات التي اتخذها تندرج ضمن مساعيه لمكافحة الفساد وإصلاح مؤسسات الدولة. ويتهم الرئيس التونسي خصومه السياسيين بالوقوف وراء محاولات لزعزعة الاستقرار، وافتعال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية بهدف تأجيج الاحتجاجات وإثارة الاضطرابات داخل البلاد.
ويستخدم سعيّد في خطاباته أوصافاً مثل "الخونة والفاسدين والمتآمرين" للإشارة إلى جهات يتهمها بمحاولة الإضرار بالدولة ومؤسساتها. وفي هذا السياق، اكتسب ترديد شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" خلال تظاهرة السبت دلالة سياسية خاصة، بالنظر إلى ارتباطه بالانتفاضة التي أطاحت بالرئيس السابق زين العابدين بن علي عام 2011. وكان ذلك الشعار من أبرز رموز الحراك الشعبي الذي شهدته تونس آنذاك، قبل أن تمتد الاحتجاجات إلى عدد من الدول العربية. وتشير عودة الشعار إلى واجهة التظاهرات إلى تصاعد حدة الاعتراض على السياسات الحالية، وإن كانت القوى المشاركة في الاحتجاج تتباين في توجهاتها السياسية ورؤيتها لمستقبل البلاد.
موازنة 2027 تكشف اتساع الضغوط المالية
تتزامن الاحتجاجات مع استمرار التحديات التي تواجه المالية العامة في تونس، في ظل ارتفاع الدين العام وضعف النمو الاقتصادي وصعوبة الوصول إلى مصادر التمويل الخارجي. وكشفت مسودة قانون موازنة عام 2027، التي اطلعت عليها وكالة رويترز، عن توجه الحكومة إلى توسيع الاعتماد على الاقتراض الداخلي لتغطية احتياجاتها المالية خلال العام المقبل. وبحسب المسودة، تخطط الحكومة لإصدار أول صكوك إسلامية سيادية في تاريخ البلاد، بقيمة تسعة مليارات دينار تونسي، تعادل نحو ثلاثة مليارات دولار، بهدف توفير موارد إضافية لتمويل الموازنة. كما تعتزم الحكومة الحصول على تمويل مباشر من البنك المركزي التونسي بقيمة تقارب عشرة مليارات دينار، أي نحو 3.35 مليارات دولار، للعام الرابع على التوالي.
وتشير تقديرات الموازنة إلى ارتفاع احتياجات الاقتراض إلى نحو 28.1 مليار دينار خلال عام 2027، مقارنة بنحو 27 مليار دينار في عام 2026. ومن المتوقع أن يأتي الجزء الأكبر من هذه التمويلات من السوق المحلية، بما يتجاوز عشرين مليار دينار، في استمرار لسياسة الاعتماد على الموارد الداخلية لمواجهة محدودية التمويل الخارجي. وتعكس هذه التوجهات الضغوط المتزايدة على المالية العامة، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى موارد لتمويل الإنفاق الحكومي والوفاء بالتزاماتها المالية، بالتزامن مع مطالب اجتماعية بتحسين الخدمات وزيادة القدرة الشرائية.
وحذر اقتصاديون، وفق رويترز، من أن التوسع في الاقتراض المحلي قد يحد من قدرة البنوك على توفير التمويل للشركات والأسر، نتيجة توجيه جزء أكبر من السيولة المتاحة نحو تمويل احتياجات الدولة. كما نبهوا إلى أن استمرار الاعتماد على التمويل المباشر من البنك المركزي قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية، بما ينعكس سلباً على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين. وتثير هذه المخاوف تساؤلات بشأن قدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين تلبية احتياجاتها التمويلية والمحافظة على الاستقرار النقدي، دون زيادة الأعباء الاقتصادية على المواطنين.
المعارضة أمام اختبار توحيد الصفوف
تضع تظاهرة السبت السلطات التونسية أمام موجة جديدة من المطالب السياسية والاجتماعية، في وقت تتقاطع فيه الضغوط الاقتصادية مع انتقادات متواصلة لأوضاع الحقوق والحريات. وتبرز أهمية التحرك في مشاركة قوى نقابية وحقوقية ومهنية وأحزاب معارضة من اتجاهات مختلفة، بعدما ظلت الانقسامات السياسية خلال السنوات الماضية عائقاً أمام تشكيل جبهة احتجاجية موحدة. وفي مؤشر إلى إمكانية استمرار التنسيق بين الأطراف المشاركة، أكد الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل، صلاح الدين السالمي، في كلمته خلال المسيرة، أن الإطار الذي جمع المنظمات الوطنية والمهنية والحقوقية لن ينتهي بانتهاء التظاهرة، مشيراً إلى توجه لتوسيعه وتطويره بالتعاون مع قوى أخرى.
غير أن حجم المشاركة في التظاهرة لا يكفي وحده للحكم على قدرة المعارضة على تحويل هذا التقارب إلى تحرك سياسي مستمر، خصوصاً في ظل اختلاف مواقف الأطراف المشاركة بشأن الأولويات والحلول المطروحة للأزمة. وفي المقابل، يواصل الرئيس قيس سعيّد الدفاع عن خياراته السياسية والاقتصادية، معتبراً أن مواجهة الفساد وحماية مؤسسات الدولة تمثلان أولوية في المرحلة الحالية. وبين مطالب المحتجين باستعادة الحريات وتحسين الأوضاع المعيشية، وتمسك السلطة بنهجها السياسي، تواجه تونس اختباراً جديداً لمدى قدرة الأطراف المختلفة على التعامل مع الأزمة المتفاقمة، وسط تساؤلات بشأن ما إذا كانت التظاهرة تمثل بداية موجة احتجاجية أوسع، أم ستبقى تحركاً محدود التأثير في مسار السلطة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة