سياسة

سوريا: بين انتظار التغيير وقلق المستقبل.. دعوة للحوار والشفافية

حرية برس١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٢٩ م2 مشاهدة
سوريا: بين انتظار التغيير وقلق المستقبل.. دعوة للحوار والشفافية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الانتظار السوري الطويل" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

بعد أيام قليلة من هروب بشار الأسد وسقوط حكم آل الأسد، وتولي هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع رئاسة المرحلة الانتقالية، سُئلت عن رأيي في التطورات الراهنة والمستقبلية. لطالما اعتبرنا، منذ أيام المجلس الوطني السوري، أن المشروع الإسلاموي المتشدد لجبهة النصرة (التي أصبحت لاحقاً هيئة تحرير الشام) يتعارض مع المشروع الوطني السوري الذي نؤمن به وندعو إليه. كان جوهر ردي حينها هو ضرورة منح الرئيس الشرع فرصة، نظراً لتعقيد الظروف وجسامة التحديات. يتطلب الأمر صبراً ومراقبة لمؤشرات محددة سنبني عليها موقفنا لاحقاً.

من بين هذه المؤشرات التي ذكرتها في المقابلة: الموقف من المكونات المجتمعية السورية (الدينية والمذهبية والقومية)، والموقف من المرأة، ومدى احترام حرية التعبير والتعددية السياسية. ما يدفعني إلى الدعوة للتريث والبحث عن حلول وسط هو إدراكي العميق لواقع سوريا وتاريخها، وخبرتي السياسية، ومعرفتي بطبيعة وقدرات التيارات والأحزاب السياسية السورية المتنوعة، التي تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وتشمل قوى إسلاموية متشددة ومعتدلة، وتيارات محافظة، وليبرالية، وديمقراطية، وعلمانية متشددة. في ظل هذه البيئة المعقدة، يصبح العمل الجاد لتجنب المصادمات أمراً حتمياً، لتفادي استنزاف الوقت والجهد، وربما تفادي وقوع مآسٍ.

تجدر الإشارة إلى ما حدث في إيران بعد ثورة 1979، حيث شاركت غالبية القوى السياسية في البداية بتفاؤل كبير، ووُعِدت بآمال كبيرة. لكن النتائج كانت مأساوية دموية، لم يتعافَ الشعب الإيراني من آثارها العنيفة بعد. هذا الموقف الحذر لم يكن خاصاً بي وحدي، بل كان موقف غالبية المعارضين السوريين المعروفين، الذين ناضلوا لعقود ضد حكم آل الأسد المستبد. تعرضنا بسبب ذلك لاتهامات بالتقاعس أو الانتهازية من قبل البعض، رغم أن معظمنا تعامل مع السياسة كواجب لا كمهنة، ولم نسعَ لمناصب أو امتيازات.

انتظرنا، وانتظر السوريون الذين صدقوا الوعود وتحملوا الظروف المعيشية الصعبة، وتغاضوا عن التناقضات، ظناً منهم أنها جزء من رؤية أعمق. لكن ما حدث لاحقاً أقلقهم، حيث ذكّرتهم التجارب المماثلة مع السلطات السابقة بمعاناة شخصية أو عرفوها من المقربين. ومع تراكم الأخطاء، بادر السوريون الحريصون على وطنهم إلى النصح والمطالبة بتصحيح المسار.

قناعتنا الراسخة، وما زالت، هي أن سوريا لا تحتمل التعصب الديني أو المذهبي أو القومي أو الأيديولوجي. حذرنا مراراً من الخطاب الطائفي والقومي البغيض. ومع ذلك، شهدنا حملات شيطنة على وسائل التواصل الاجتماعي، وحوادث مؤسفة في الساحل والسويداء، لا تزال تنتظر تحقيقاً شفافاً وحلولاً وطنية لتبديد الهواجس. كما كان هناك خوف من تكرار المآسي في منطقة الجزيرة بين العرب والكرد، ورغم أن ذلك لم يحدث، إلا أن طريقة المعالجة والصفقات المغلقة رسّخت الشكوك.

تفسر هذه الأسباب جزئياً الاحتجاجات الأخيرة في محافظة الحسكة، التي تتجلى فيها التنوع السوري رغم السياسات البعثية التي هدفت إلى إحداث شروخ مجتمعية. على مدى عامين، كتب السوريون وتحدثوا وانتظروا دون نتائج واضحة، أو مؤشرات على الاستماع ومعالجة الأخطاء، أو جهود لمكافحة الفساد والتحقيق في الجرائم. تساؤلات وهواجس كثيرة تقض مضاجع السوريين، وتتطلب الشفافية والمصداقية في المعالجة، وليس الوعود التسويفية.

لم تنل المرأة السورية بعد المواقع التي تستحقها رسمياً. الظروف المعيشية القاسية باتت كابوساً يؤرق الغالبية الساحقة من الأسر. أعداد الباحثين عن العمل مرعبة، والمشاريع الكبرى لا تزال في طور مذكرات التفاهم، ولن تتحول إلى واقع دون استقرار مجتمعي يقنع المستثمرين.

يدرك السوريون تعقيد الظروف الدولية والإقليمية وانعكاساتها، مثل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وسياسات إيران الإقليمية، والتدخلات الإسرائيلية في لبنان وسوريا. لكن هذا لا يلغي وجود مسائل يمكن للسوريين معالجتها بأنفسهم، بالاعتماد على الإمكانات المتاحة. يتطلب ذلك أولاً تفاهمًا على الأولويات، وشفافية في التعامل، وبيئة قانونية تضمن الحقوق. ويستلزم تفعيل دور مجلس الشعب ليمارس صلاحياته كممثل للشعب، بدلاً من كونه واجهة تنفيذية للسلطة التنفيذية.

هناك محاولات لزج سوريا في ملفات إقليمية لا تخدم مصلحتها أو قدراتها. الوعود الخارجية لا يمكن الاعتماد عليها في غياب التماسك الوطني السوري. لبلوغ التفاهم المنشود، نحتاج إلى حوار وطني داخلي مستدام، يشعر أطرافه بوجود رغبة حقيقية لدى الجميع، خاصة السلطة، بالتوصل إلى توافقات وتجاوز آثار التراكمات السلبية لسلطة آل الأسد ومعالجة الجروح الجديدة.

الدولة التي يتطلع إليها السوريون لن تُبنى بالوعود والعبارات الإنشائية، بل بعقد مكتوب بين مواطنين أحرار ودولة تلتزم بضمان الأمن وتوفير المقومات الضرورية لمستقبل واعد للأجيال القادمة.

شارك الخبر: