يشهد السوق السوري ظاهرة ارتفاع متواصل في الأسعار، على الرغم من تراجع القدرة الشرائية وانخفاض الطلب الفعلي. هذه المفارقة تعكس الضغوط المتزايدة على عمليات الإنتاج والاستيراد وتكاليف المعيشة. وبينما يجد المستهلكون صعوبة متزايدة في تأمين احتياجاتهم الأساسية، تتضافر عوامل متعددة مثل الطاقة، سعر الصرف، عجز الموازنة العامة، والاعتماد على الاستيراد، بالإضافة إلى سلوك التجار في ظل حالة عدم اليقين، لتغذية موجات الغلاء المستمرة.
ركود تضخمي يضغط على الأسواق
يشير الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش إلى أن المشهد الاقتصادي السوري يمر بحالة استثنائية من الركود التضخمي الجامح، حيث ترتفع الأسعار بشكل شبه يومي رغم الهبوط الحاد في القدرة الشرائية وتراجع الطلب الفعلي. يعتبر عياش أن هذا الوضع يعكس خللاً بنيوياً عميقاً في آليات السوق وتكاليف الإنتاج، وفقاً لما نقلت عنه صحيفة “الوطن”.
الأسباب الخمسة وراء الغلاء:
- ارتفاع تكاليف الطاقة والمحروقات: ينعكس هذا الارتفاع مباشرة على كلفة تشغيل المصانع، المولدات، المداجن، ووسائل نقل البضائع. وقد أعلنت وزارة الطاقة السورية في 13 أيلول/ سبتمبر الماضي عن تعديل مؤقت لأسعار المشتقات النفطية، مبررة ذلك بارتفاع كلفة تأمينها عالمياً، وتراجع المعروض، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، بالتزامن مع دخول مصفاة بانياس في أعمال صيانة شاملة. يؤدي ارتفاع أسعار المازوت والبنزين إلى زيادة تكاليف التشغيل والنقل، مما ينعكس على أسعار السلع النهائية، خاصة المنتجات التي تتطلب استهلاكاً كثيفاً للطاقة أو نقلها لمسافات طويلة.
- ارتفاع تكاليف المواد الأولية المستوردة: يشمل ذلك المواد الخام، الأعلاف، الأسمدة، والمكونات الصناعية. يؤدي ارتفاع أسعار هذه المدخلات وتكاليف شحنها، في ظل الاضطرابات الإقليمية، إلى زيادة كلفة الإنتاج المحلي ورفع أسعار السلع في الأسواق. وتؤكد بيانات مركز عمران للدراسات الاستراتيجية اتساع الاعتماد على الاستيراد، حيث بلغ حجم الواردات نحو 16.53 مليون طن خلال النصف الأول من عام 2026، متجاوزاً إجمالي واردات عام 2025 بنحو 35 بالمئة.
- تراجع قيمة الليرة السورية: يمثل تراجع قيمة الليرة سبباً رئيسياً لارتفاع الأسعار، مع زيادة تكلفة تأمين الدولار اللازم لاستيراد السلع والمواد الإنتاجية. وتشير بيانات حديثة إلى تراجع الليرة في السوق الموازية مقارنة بمستويات أيلول، وسط تحذيرات من تأثير ضعف الإنتاج واتساع فجوة التجارة الخارجية على سعر الصرف.
- عجز الموازنة العامة والضغوط النقدية: يوضح عياش أن تراجع الإيرادات واتساع فجوة الإنفاق قد يفاقمان الضغوط التضخمية، خاصة إذا تم تمويل العجز بوسائل تؤدي إلى زيادة السيولة النقدية دون نمو موازٍ في الإنتاج. وقد أعلنت وزارة المالية السورية أن العجز المالي بلغ نحو مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، مع تسجيل إنفاق عام قدره 3.7 مليارات دولار مقابل إيرادات بنحو 2.7 مليار دولار.
- توقعات التجار ومخاوفهم من ارتفاع تكاليف الاستبدال مستقبلاً: يوضح عياش أن ضعف الطلب يؤدي عادة إلى انخفاض الأسعار وفق قانون العرض والطلب، لكن هذه القاعدة تتعطل في الحالة السورية بفعل ارتفاع تكاليف الإنتاج والاستيراد. قد يرفع التاجر السعر ليس بالضرورة لزيادة أرباحه، بل لأن تكلفة توفير السلعة مجدداً أصبحت أعلى، وقد يفضل التمسك بسعر يغطي التكلفة على البيع بخسارة والتوقف عن النشاط. حالة عدم اليقين تدفع بعض التجار إلى تسعير بضائعهم على أساس توقعات متشائمة لسعر الصرف وتكاليف الاستيراد مستقبلاً، بدلاً من الاكتفاء بالأسعار السائدة وقت البيع، مما يخلق تضخماً مدفوعاً بالتوقعات والتحوط، حتى مع ضعف حركة الشراء.
تتضافر هذه العوامل مجتمعة لتوضح أن استمرار الغلاء لا يرتبط بزيادة الطلب وحدها، بل بضغوط متزامنة على جانبي الإنتاج والاستيراد، فضلاً عن المخاطر النقدية وسلوك التسعير. يبقى احتواء هذه الموجة مرتبطاً بخفض تكاليف الطاقة والنقل، وتحسين توافر مدخلات الإنتاج، وتعزيز استقرار سعر الصرف، وضبط المالية العامة، والحد من عدم اليقين الذي يدفع الأسواق إلى تسعير مخاطر المستقبل مقدماً.