اقتصاد

أسواق حلب التاريخية: هل يعيد الترميم إحياء التجارة وسط التحديات الاقتصادية؟

syria.tv٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٥ ص1 مشاهدة
أسواق حلب التاريخية: هل يعيد الترميم إحياء التجارة وسط التحديات الاقتصادية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أسواق حلب التاريخية.. هل يعيد الترميم الحياة إلى المحال التجارية؟" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تتواصل أعمال ترميم الأسواق التاريخية في حلب بعد سنوات من الدمار، في محاولة لإعادة المحال التجارية إلى أصحابها والحفاظ على الطابع التراثي للمدينة. إلا أن عودة النشاط التجاري ما تزال تواجه تحديات كبيرة تتمثل في ضعف القدرة الشرائية وتراجع الطلب، بينما يعلق التجار آمالهم على تنشيط السياحة وإعادة تأهيل المعالم التاريخية لاستعادة الحركة في الأسواق.

في سوق الجلّوم، أحد الأسواق القديمة في حلب، لم تكن إعادة فتح المحل نهاية رحلة طويلة من الخسائر، بل بداية مرحلة جديدة من التحديات. عاد محمد الدملخي إلى حلب بعد سنوات من النزوح، وعمل على إصلاح محله المتضرر وإعادة تجهيزه بإمكانياته الخاصة، مستعيناً بإنفاق نحو 4 آلاف دولار على الإصلاحات والتجهيزات، دون الحصول على دعم من جهة مانحة. واجه الدملخي تحديات تتجاوز ترميم المكان، أبرزها ضعف الحركة التجارية، نقص البضائع، وتراجع الأسواق الخارجية التي كانت تستقبل المنتجات السورية قبل الحرب، مثل العراق والأردن ولبنان. كما يواجه التجار منافسة من البضائع المستوردة، في وقت تضررت فيه قدرات الإنتاج المحلي وجودة بعض المنتجات بفعل سنوات الحرب. يتوزع عمل الدملخي حالياً بين حلب وتركيا والعراق، في محاولة لمواكبة واقع تجاري جديد يفرض قواعد مختلفة ومنافسة أشد.

لا تقتصر هذه التحديات على سوق الجلّوم، إذ يواجه تجار آخرون في أسواق حلب القديمة صعوبات تتعلق بضعف القدرة الشرائية، ارتفاع تكاليف التشغيل، وتراجع الطلب، رغم عودة بعضهم إلى محالهم بعد إصلاحها. يقول محمد زين، تاجر في الأسواق القديمة منذ عامي 2006 و2007، إن المنطقة تعرضت لدمار واسع، وأن عودته للعمل تطلبت إصلاح محله على نفقته الخاصة وفق تعليمات الجهات المعنية بالحفاظ على الطابع التاريخي. يقدّر زين أن الحركة التجارية الحالية لا تتجاوز 10% من مستوياتها قبل عام 2011، مشيراً إلى أن ضعف المبيعات واستنزاف المدخرات دفعه إلى الاستدانة لتغطية نفقات المعيشة والاستمرار في العمل. المشكلة لا تقتصر على الأضرار المادية، بل تمتد إلى أوضاع أصحاب المحال الذين لا يملكون الموارد الكافية لإعادة ترميم ممتلكاتهم، فضلاً عن صعوبات الترخيص والإجراءات اللازمة للعودة إلى النشاط التجاري. كما يشير إلى تراجع بعض الحرف التقليدية مع وفاة عدد من أصحاب الخبرة ومغادرة آخرين البلاد، ما يهدد استمرار بعض الأنشطة التي ارتبطت تاريخياً بأسواق حلب.

يقترح الدملخي دعم الإنتاج المحلي، تخفيف الأعباء الجمركية على المواد الأولية، تنظيم المعارض التجارية، فتح الأسواق الخارجية أمام المنتجات السورية، ومراجعة الأعباء الضريبية على المشروعات الجديدة، كخطوات من شأنها مساعدة التجار على استعادة أعمالهم.

في موازاة التحديات الاقتصادية، تتواصل مشاريع ترميم الأسواق المتضررة. الدكتور حازم العُبيد، مدير البرامج في مكتب منظمة التنمية السورية بحلب، يوضح أن المنظمة تعمل على ترميم محور تجاري يضم 72 محلاً، بنسبة إنجاز تجاوزت 90%. بدأ المشروع في تشرين الثاني 2024، واختير المحور بسبب حجم الأضرار وموقعه بالقرب من قلعة حلب. تستهدف الأعمال إعادة تأهيل المحال وفق معايير مديرية الآثار، بالاستعانة بخرائط عقارية فرنسية للمدينة القديمة. واجه المشروع تحديات مثل الأضرار الإنشائية الكبيرة، نقص العمالة المتخصصة في الترميم الأثري، وتأخر الدراسات والتصاميم. لم يعد أصحاب المحال المستهدفة إلى متاجرهم بعد، بانتظار استكمال الأعمال. يرى العُبيد أن ترميم محور تجاري بمعزل عن الأسواق المحيطة قد لا يؤدي إلى انتعاش ملموس، وأن استدامة التعافي تتطلب العمل على محاور متكاملة، وتوفير حوافز للتجار، وإيجاد حلول لمواقف السيارات وتسهيل الوصول إلى الأسواق.

الدكتور سامح خير الله، مدير العلاقات في الكتلة الأولى وممثل محافظة حلب، يؤكد استمرار أعمال الترميم في المدينة القديمة، مع التركيز على المحاور التجارية الرئيسية. تقدر نسبة الأضرار الكلية أو الجزئية في المدينة القديمة بنحو 70%، لكن لا توجد إحصائية دقيقة لعدد المحال المرممة أو المغلقة. شملت أعمال الترميم معالم تاريخية مثل الجامع الأموي الكبير، وعدد من المساجد والخانات والمباني التراثية. تعتمد أعمال الترميم على مصادر تمويل متعددة، بما في ذلك مبادرات محلية ومنظمات دولية. تعمل المحافظة على تسهيل إجراءات الترخيص، ومعالجة مشكلات الملكية، وإحالة الحالات غير القادرة على تحمل تكاليف الإصلاح إلى الجهات الداعمة. تشمل جهود إعادة تنشيط المدينة القديمة تحسين الخدمات الأساسية مثل النظافة والصرف الصحي والإنارة، والتنسيق مع الجهات المعنية بسلامة الأبنية وحماية التراث. لا يحدد خير الله موعداً نهائياً لاستكمال الترميم، لارتباطه بتوافر التمويل والموارد.

يعلق التجار آمالهم على أن تؤدي إعادة تأهيل المعالم التاريخية وتنشيط السياحة إلى زيادة أعداد الزوار وتحريك النشاط التجاري. يرون أن عودة الزوار إلى المعالم التاريخية، مثل الجامع الأموي الكبير، يمكن أن تنعكس إيجاباً على الأسواق، إذا ترافقت مع توفير الخدمات اللازمة وتشجيع الأنشطة التجارية والحرفية. تفعيل الخانات والمباني التراثية وتحويلها إلى فضاءات تستقطب الزوار، وتنظيم الفعاليات والمعارض والأسواق الحرفية، يمثل فرصة لربط الحفاظ على التراث بإيجاد نشاط اقتصادي مستمر. ومع ذلك، يؤكد التجار أن عودة الزوار وحدها لا تكفي ما لم تترافق مع تحسن القدرة الشرائية، توافر البضائع، استعادة الأسواق الخارجية، وتخفيف الأعباء التي تواجه أصحاب الأعمال الصغيرة.

تبدو استعادة أسواق حلب القديمة عملية تتجاوز إعادة بناء ما تهدم، فالحفاظ على هوية المدينة التاريخية يحتاج إلى حماية مبانيها وأسواقها، فيما تتطلب عودة الحياة التجارية توفير الظروف التي تسمح للتجار بالاستمرار، وللحرف التقليدية بالبقاء، وللزوار بأن يصبح حضورهم جزءاً من حركة اقتصادية مستدامة.

شارك الخبر: