الريف السوري في قلب المدينة: قراءة معمقة لتحولات المركز والهامش


هذا الخبر بعنوان "الريف السوري يغزو المدينة؟! قراءة في تحولات المركز والهامش" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ الريف السوري مخزنًا بشريًا واسعًا ومتنوعًا. يمكن تمييز بيئتين اجتماعيتين رئيسيتين فيه: البيئة القبلية أو البدوية التي اتجهت نحو العمل الزراعي وتنتشر في المناطق الشرقية والشمالية، وبعض الأرياف المستحدثة في سهول الروج والغاب وأطراف سهل العمق، والبيئة الزراعية-الحضرية التي تغلب على بقية المناطق. اللافت أن العديد من المدن السورية، خاصة الصغيرة والمتوسطة، يمكن اعتبارها "أريافًا كبيرة" نظرًا لغلبة النمط الريفي على أنماط العيش والعلاقات البينية فيها. حتى المدن الكبرى كدمشق وحلب لم تسلم من ظاهرة "الترييف" الاجتماعي والثقافي والعمراني، حيث انتشرت الأحياء العشوائية حولها وسادت مظاهر الريف الأولية.
لا يهدف هذا النص إلى تقديم تقسيم سوسيولوجي شامل للريف السوري، بل إلى رصد مظاهره العامة وانعكاس حضوره في الثورة السورية وما نتج عن ذلك من تحولات في الهوية الاجتماعية.
احتفظ الريف السوري، بدرجة أكبر من المدن، بإرث تاريخي طويل وحمولات تراثية. تُعتبر العديد من القرى السورية بمثابة متاحف بشرية أنثروبولوجية وعمرانية ولغوية، تحتفظ بعادات وتقاليد قديمة. ظلّ تأثير المتغيرات الحديثة في الريف محدودًا قبل انتشار وسائل الاتصال، واقتصر على الاحتكاك التجاري أو العسكري المحدود بالمدينة.
في ظل الدولة الحديثة، كان نصيب الريف من التنمية والمعرفة محدودًا. مشاريع البنية التحتية كانت في حدودها الدنيا، والتعليم الرسمي تأخر في الوصول إليها مع تدني جودته. ومع ذلك، رفد الريف المدن الكبرى بعناصر بشرية مهمة، هاجر بعضها للتحصيل العلمي واندماج كليًا أو جزئيًا في حياة المدينة، غالبًا مع انقطاع عن البيئة الأصلية بسبب الفجوة التنموية.
في المقابل، بقيت اليد العاملة الريفية التي عاشت اغترابًا في المدينة على صلة وثيقة بقراها. ومع مرور السنوات، نقلت هذه الفئات أنماطها الاجتماعية إلى هوامش المدن، فظهرت أحياء كاملة بطابع ريفي واضح على أطراف المدن الكبرى، بينما ظلّ تأثير النخب المدينية محدودًا.
مع انطلاق الثورة السورية، برزت الأرياف كمحرك أساسي في مناطق مثل درعا ودوما وبانياس وإدلب وأغلب ريف دمشق. خلال أسابيع، كانت معظم الأرياف في قلب الحراك. أشار الباحث السوري جمال باروت في دراسة له إلى ثورة الأرياف والهوامش. انعكس التنوع الجغرافي والاجتماعي والسياسي على طبيعة الحراك، فتميزت داريا بسلميتها وتنظيمها، واشتهرت كفرنبل بخطابها الإبداعي النقدي، بينما اتخذ الحراك في مناطق أخرى طابعًا مختلفًا.
يميل الكاتب إلى توصيف الثورة، في أحد أبعادها، بأنها حراك للهوامش والفئات المهمشة، أكثر من توصيفها طائفيًا أو مذهبيًا. اختزالها في بعد ديني يغفل البنية الاجتماعية للصراع والعلاقة بين المركز والأطراف، وبين الفئات المستفيدة من النظام الأسدي وتلك المهمشة. يُعتبر ذلك إجحافًا وابتعادًا عن القراءة العلمية. قراءة العوامل كصراع اجتماعي بين فئات وطبقات مهمشة وأخرى مستفيدة من النظام الحاكم أقرب للفهم من قراءتها صدامَ طوائف. فقد ارتبط بالنظام فئات متنوعة من مختلف الانتماءات، كما انخرطت فئات متعددة في الحراك السلمي لأسباب أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية ووطنية.
تُعتبر حلب نموذجًا لانتقال التأثير والفاعلية من المركز المديني التقليدي إلى الهوامش. بعد تباطؤ نسبي في بدايات الحراك داخل المدينة، تصاعدت الأحداث في الأحياء الطرفية التي يشكل القادمون من الأرياف النسبة الأكبر من سكانها، مثل صلاح الدين والسكري والكلاسة والهلّك. عدم تحرك بعض الأحياء "المدينية الخالصة" لا يُعدّ تهمة، بل ربما مؤشرًا على اختلاف في البنية الاجتماعية وشبكات العلاقات. فالريف، ببنيته التضامنية وعلاقاته الأولية، يمتلك قدرة أعلى على التعبئة الجماعية السريعة مقارنة بالمدينة التي تقوم على علاقات أكثر فردانية وتعقيدًا.
الهجوم المتشنج على حلب أو غيرها من المدن لتأخرها في "الانضمام للثورة" غير منصف، لأنه يتجاهل العوامل المؤثرة في طبيعة هذه التحولات. يمكن القول بأنّ الريف "والهوامش" كوّنا، في مرحلة معينة، الوقود الاجتماعي الأبرز للثورة أو للحراك الاجتماعي في سوريا، وبؤرة الانفجار الاجتماعي والديموغرافي والسكاني.
بدت الثورة كأنها انفجار مركب على حوامل اجتماعية وسكانية وديموغرافية وطبقية، مع عامل الاستقطاب المذهبي والديني. كل ذلك جاء بعد تقويض غير معلن للعقد الاجتماعي بين السلطة والمجتمع، سواء من خلال تحول اشتراكيي الأمس إلى رأسماليي اليوم، أو من خلال سياسات اقتصادية تخلت فيها الدولة عن دورها. ومع غياب خطاب وطني جامع وزيادة حدة الاستقطاب، برزت أنماط خطابية مشبعة بالدين والهويات الفرعية، وأسهمت دول خارجية في تغذية هذا النمط الاستقطابي، مما عمّق الانقسام في بنى المجتمع السوري.
دفعت هذه التحولات للمزيد من التسارع، ومنها التحولات الديموغرافية. لم يعد الأمر مجرد انتقال سكان ريف إلى المدينة، بل تغير في موازين التأثير داخل المجال المديني نفسه. تراجع حضور النخبة المدينية التقليدية وقدرتها على التأثير، مقابل صعود فاعلين جدد من الهوامش، مدفوعين بخطاب شعبوي. الحديث عن "غزو ريفي" للمدينة قد يكون تبسيطًا يفتقر للدقة، لكن الأكثر دقة هو الحديث عن تحول في مركز الثقل الاجتماعي، حيث انتقلت الفاعلية السياسية من المدينة التاريخية إلى الأطراف، في سياق انهيار بنى سابقة من دون تكوّن بديل مستقر.
تميل البيئات الريفية، بحكم طبيعة بنيتها التضامنية وصلابة علاقاتها الداخلية، إلى التعبير الحاد عن خياراتها. هذا الميل لا يعني تطرفًا بالمعنى السياسي والإعلامي، بل هو انحياز واضح وحاسم في لحظات الصراع. ظهر ذلك في الانتقال من طور السلمية الصارمة إلى الدفاع المسلح "بأقسى وأقصى صورة" حين اشتدت المواجهة.
اليوم، وبعد سقوط النظام الأسدي، تبدو المدينة السورية أمام اختبار عميق لهويتها ووظيفتها التاريخية. إن طول أمد الأزمة وتجذر آثارها الاجتماعية يجعلان من إعادة تكوّن المجتمع السوري مسارًا طويلًا قد يحتاج إلى عقود من الاستقرار. ما نشهده ليس صراعًا بين ريف ومدينة، بقدر ما هو طور من أطوار التحول الاجتماعي الذي تشهده سوريا، حيث تتم إعادة توزيع الأدوار بين المركز والهوامش. وهو طور تاريخي لا يمكن فهمه إلا ضمن سياق أوسع من التحولات السياسية والاقتصادية والثقافية الجذرية التي تعصف بسوريا.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة