سياسة

دمشق في الذاكرة: الولاء يضمن الاستقرار وسقوطٌ يلوح في الأفق

syriahomenews٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٠٠ ص0 مشاهدة
دمشق في الذاكرة: الولاء يضمن الاستقرار وسقوطٌ يلوح في الأفق

تنويه

هذا الخبر بعنوان "دمشق التي بقيت في الذاكرة … سقوط قبل النهاية (3) حين أصبح الولاء ضمانة للاستقرار!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في الأنظمة التي تتجنب المفاجآت، حتى في الانتخابات، كان لكل شيءٍ حساباته الدقيقة: الحزب، والجبهة، والمستقلون، والتوازنات المجتمعية. كانت القوائم الانتخابية الجاهزة تُسهّل على الناخب مهمة الاختيار. أما مجلس الشعب، فكانت قصته مشابهة، حيث يمتلك المواطن حق الانتخاب، ويحظى المسؤول بضمانة النتيجة، في توافقٍ استمر لسنوات، بينما يظن المواطن أن صوته هو صانع القرار.

لم تكن هذه مجرد عبقرية انتخابية، بل جزء من منظومة إدارية أوسع، حيث لكل عنصرٍ مكانه المحسوب، حتى المفاجآت كانت تتطلب موافقة مسبقة. في هذه المنظومة، كان الولاء يتقدم على الكفاءة، والطاعة على المبادرة، ورضا المسؤول على قدرة الموظف. لم تكن الكفاءة ممنوعة، بل مطلوبة، لكن يُفضّل أن تقترن بولاءٍ يُطمئن المسؤول. أما الكفاءة التي تُعبّر عن نفسها بصوتٍ عالٍ، فكانت تُحدث إزعاجًا، والإدارة لا تحتاج إلى المزيد من المشاكل.

مع مرور الزمن، لم يعد الطريق إلى المناصب العامة يمر بالضرورة عبر الخبرة والإنجاز، بل عبر شبكات الولاء. ومن يُصرّ على تسمية الخطأ باسمه، قد يجد أن المؤسسة بحاجة لخبرته، لكنها تفضّل إبعاده عن مراكز القرار. لم يكن المطلوب أن يكون الجميع فاسدين، بل كان يكفي أن يعرف النزيه حدود نزاهته، والمعترض حدود اعتراضه، وصاحب المصلحة طريقه إلى من يُمكنه مساعدته. ولكل شيءٍ أصوله، حتى ما لا أصل له.

مع غياب المحاسبة الحقيقية، لم يعد الفساد مجرد خللٍ فردي، بل أصبح قادرًا على الاحتماء بمنظومةٍ تضيق بمن يُحاول إصلاحها. الخطأ قد يبدأ صغيرًا، لكن حمايته تتطلب أبوابًا كثيرة، ولكل بابٍ مفتاحٌ وصاحب. ولم تكن الانتماءات الاجتماعية والطائفية غائبة عن الحسابات، بل استُخدمت في تثبيت الولاءات وتوزيع النفوذ، حتى اختلط على البعض الفرق بين الانتماء للمجتمع والانتماء لشبكة المصالح. لم تكن الطائفة سلطة بحد ذاتها، ولم يكن أبناؤها جميعًا شركاء في امتيازاتها؛ فقد اقترب البعض من مراكز القوة والثروة، بينما بقي آخرون فقراء، ودفع الكثيرون من مختلف المكونات أثمانًا باهظة. المشكلة كانت في أن يصبح الانتماء جواز مرور للبعض، وأن يُطلب من الآخرين إثبات ولائهم مرارًا، وكأن المواطنة امتحانٌ لا تنتهي دوراته، ونتيجته مقررة سلفًا.

ثم جاءت أحداث حماة عام 1982، بما خلّفته من دمارٍ وخوفٍ امتد أثره لسنوات. منذ ذلك الحين، أصبح الصمت لدى الكثيرين أكثر أمانًا من السؤال، وأقل كلفة من الاعتراض. فالإنسان الذي يخشى على حياته وأهله لا يحتاج لمن يشرح له فضائل الصمت؛ تكفيه معرفة ثمن الكلام.

لم تكن حماة وحدها تحت الرماد. ففي لبنان، حيث دخلت القوات السورية عام 1976، تمدد النفوذ الأمني والسياسي والاقتصادي، ونشأت شبكات مصالح تجاوزت الحدود، وتداخلت فيها السلطة والمال والتهريب والاقتصاد غير الشرعي. هناك، لم تعد الحكاية مجرد جنودٍ وحدودٍ وسياسة، بل أصبحت مناطق النفوذ أبوابًا للثروة، ووجد بعض أصحاب المواقع في السلطة ما يتجاوز واجبات الوظيفة إلى امتيازاتٍ لا يحلم بها أصحاب الوظائف أنفسهم. أما المواطن، فكان عليه أن يتعلم الاقتصاد على طريقته: يدفع ما عليه، وينتظر ما له، ويحاول أن يفهم كيف يربح البعض من كل الظروف، بينما لا يستطيع هو أن يربح من يومه!

تداخلت هذه المصالح مع التحالفات الإقليمية، ومنها العلاقة مع إيران وحزب الله، في شبكةٍ من النفوذ الأمني والسياسي والاقتصادي امتدت آثارها إلى الداخل السوري واللبناني. لم تكن المشكلة في التحالفات وحدها، بل في أن تتحول الدولة وأجهزتها إلى أدواتٍ لمصالح لا تخضع لمحاسبةٍ عامة واضحة. فالدولة التي يُفترض أن تحمي القانون لا تستطيع أن تطلب من الناس احترامه، إذا كان القانون نفسه يبدو أكثر صرامة كلما ابتعدنا عن أصحاب النفوذ، وأكثر مرونة كلما اقتربنا منهم.

وهكذا، كانت الشوارع هادئة، والمؤسسات مفتوحة، والموظفون في مكاتبهم، والحياة مستمرة. مشهدٌ يوحي بأن الأمور تسير على ما يرام، لولا أن الهدوء لا يُخبرنا دائمًا بما يجري تحت سطحه. فقد يكون الهدوء علامة رضا، أو تعب، أو أن الناس تعلموا أن الكلام لا يُغيّر شيئًا، وأن الصمت أقل كلفة. وليس كل مجتمعٍ صامتٍ مجتمعًا مقتنعًا؛ بعض المجتمعات تصمت لأنها لم تعد تعرف كيف تتكلم دون أن تدفع الثمن.

في الوقت الذي كانت فيه البلاد تواصل حياتها، والحكم يبدو ثابتًا، كانت السلطة تفكر في ضمان استمرارها. انتقل مشروع التوريث من الابن الأكبر إلى الابن الآخر بعد وفاة الأول. مات الابن، فانتقل المشروع إلى أخيه، واستمرت الترتيبات، وكأن الدولة شركة عائلية تُعالج شؤون خلافة إدارتها عند حدوث أي طارئ. وحدها الدولة لم يُسأل رأيها في المسألة، مع أنها صاحبة الأرض والمؤسسات والملايين الذين سيعيشون تحت حكم الوريث!

لعل المفارقة أن السلطة التي لم تكن تثق بمفاجآت صندوق الانتخاب، أرادت أيضًا أن تضمن مفاجآت المستقبل. رتّبت الحاضر، وحاولت ترتيب الغد، وضيّقت مساحة الاختلاف، وكأنها تستطيع بذلك أن تجعل التاريخ موظفًا آخر في مؤسساتها. لكن التاريخ، لسوء الحظ، لا يُراجع قراراته مع الجهات المختصة قبل تنفيذها!

وهكذا، بدا الاستقرار من الخارج متينًا، فيما كانت قدرة الدولة على تصحيح أخطائها تتراجع من الداخل. لم يكن السقوط قد وقع، ولم تكن كل تفاصيله حتمية، لكن أسباب الضعف كانت تتراكم، بينما كانت السلطة تزداد اطمئنانًا إلى أنها أحكمت إغلاق الأبواب. نعود إلى دمشق، التي أحببناها، لا لنسأل كيف سقط الحكم في لحظته الأخيرة، بل كيف أمضى سنواتٍ طويلة وهو يُضيّق على نفسه منافذ الإصلاح، حتى صار الحفاظ على صورة الاستقرار أهم من إصلاح ما يتصدع تحته. فالدولة لا تضعف فقط حين تخسر معركة، أو تتعثر في اقتصادها، أو تواجه أزمة سياسية؛ قد تبدأ خسارتها يوم تصبح المؤسسات مشغولة بإرضاء السلطة أكثر من انشغالها بخدمة المجتمع، ويصبح الولاء أهم من الكفاءة، والصمت أكثر أمانًا من الحقيقة، ومستقبل البلاد موضوعًا للترتيب داخل العائلة. وعندها، قد تنجح السلطة في منع المفاجآت سنواتٍ طويلة، لكنها لا تستطيع أن تلغي تراكم الأخطاء، ولا أن تضمن أن يبقى الصمت إلى الأبد. فالسقوط لا يبدأ دائمًا يوم تنهار الجدران؛ أحيانًا يبدأ يوم يطمئن من بداخلها إلى أنها لن تنهار أبدًا. (موقع:أخبار سوريا الوطن)

شارك الخبر: