من سيدني إلى طرطوس: الأديبة أمان السيد تستكشف المنفى والذاكرة عبر الشعر


هذا الخبر بعنوان "من سيدني إلى طرطوس… حيث تعبر القصيدةُ حدودَ الجغرافيا وتفتح الكتابةُ أسئلتَها" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: أحلام حسين غانم
تتجاوز المسافات الحقيقية حدود الخرائط، فبعض المسافات تختصرها القصيدة، وتلغيها الذاكرة، ويعيد وصلها الوجدان الذي يدرك أن للإنسان لغة أعمق من حدود المكان. من سيدني، حيث يلتقي البحر بالأفق البعيد، حطّت الأديبة أمان السيد رحالها في طرطوس، حاملةً أسئلة المنفى، وذاكرة الأمكنة، ودهشة اللغة، لتلتقي قرّاءها في مدينةٍ تُحسن الإصغاء للبحر وتحويل الموج إلى حكاية.
شهدت قاعة اتحاد الكتّاب العرب في طرطوس لقاءً ثقافيًا مميزًا، حضرته نخبة من المهتمين بالشعر والأدب والثقافة، احتفاءً بتجربة أدبية تجمع بين الكتابة وأسئلة الإنسان والوجود، وتزاوج بين رهافة الشعر وقوة السرد.
د. عبير خالد يحيى… قراءة تستنطق روح النص
قدّمت اللقاء الناقدة الدكتورة عبير يحيى، بقراءة نقدية عميقة لتجربة أمان السيد، تجاوزت التعريف بمنجزها لاستكشاف عوالمها الوجدانية والفكرية. في نصوصها، يتداخل المنفى مع الذاكرة، ويصبح المكان أكثر من مجرد جغرافيا، واللغة أكثر من أداة تعبير؛ إنها وسيلة لاستعادة الذات ومقاومة التلاشي، وفضاء إنساني تلتقي فيه التجربة الفردية بالوجع الجماعي.
تجد هذه الرؤية صداها في مجموعة الشاعرة أمان السيد «النهر أنت يا حبيبي.. وأنا الأفعوان»، حيث لا تبدو سيدني مجرد مدينة بعيدة، بل كائن حي يشارك الإنسان وحدته ويمنح العابرين فسحة للانتماء. تقول أمان السيد: «في سيدني الرصيف حنون على ضفافه يتصادق المبعثرون والتائهون والعارفون ويندى الحديث والابتهال». هنا، يتحرر الرصيف ليصبح حضنًا إنسانيًا، وتتحول المدينة إلى علاقة وجدانية، يجد فيها المبعثرون والتائهون والعارفون ألفة لا تسأل عن أصولهم.
تواصل الشاعرة بناء عالمها البصري، فتمنح معمار المدينة لغة من الإيماء والدهشة. وعن أوبرا سيدني، تكتب: «في أوبرا هاوس: القِبابُ قبعات تنحني إجلالًا وخفرًا، لألقِ ماءِ التَّوَلُّه يتدفق». هنا، لا تكتفي الصورة بوصف المعلم المعماري، بل تعيد خلقه شعريًا، حيث تنحني القباب ويتدفق الماء، ويدخل المكان في طقس من التوق والافتتان، معبرة عن عين الشاعرة التي تتجاوز المرئي إلى ما يختبئ خلفه.
لكن المدينة التي تتسع للبوح لا تلغي وحشة المنفى؛ فخلف دفء الأرصفة وألق القباب، يثقل حزن الروح، وتحمل الحقائب ما لا تمحوه المسافات. تقول الشاعرة: «موسيقى الجاز تراكضني سريعًا سريعًا.. وتحتمي بالمطر في ظلال الأشجار … الغابات تشتدُّ بالسواد، تهوى أن تنافس المنفيين في حزنهم، وأوجاعهم المتراكمة في حقائب السفر حديث الموسيقى يهطل على قلوب المنفيين مطرًا، ودمًا وغربة». هنا، تتجاوز الموسيقى وظيفتها الجمالية لتصبح شريكًا في تجربة المنفى، وتتداخل عناصر الطبيعة مع الجرح الإنساني.
تتلاقى هذه الشواهد الشعرية مع المحاور التي أضاءتها الدكتورة عبير يحيى: الوجدان، والمنفى، والذاكرة، واللغة الإنسانية. فأمان السيد لا تكتب عن الغربة كالانتقال من بلد لآخر، بل كاختبار للانتماء ومواجهة بين الذات وما تحتفظ به من ذاكرة وما يفرضه المكان الجديد.
من الإصغاء إلى الحوار… أسئلة تتجاوز حدود النص
اتسع اللقاء لحوار مفتوح، لامست فيه أسئلة الحضور جوهر الكتابة ومصير الأدب في عالم تتغير فيه وسائل التعبير وتتداخل فيه الحدود بين الإبداع البشري والإنتاج الرقمي. ومن الأسئلة الموجهة لأمان السيد: «في زمنٍ لم تَعُدْ فيه الكتابةُ حكرًا على الكاتبِ، ولا القراءةُ فعلًا معزولًا عن الخوارزميّاتِ، ولا الثقافةُ محكومةً بحدودِ الجغرافيا، كيف يمكنُ للأديبِ أن يحميَ فرادةَ صوتِه من الذوبانِ في هذا التشابهِ العالميِّ؟ وهل أصبحَ التحدّي الحقيقيُّ للكاتبِ اليومَ أن يجدَ مَن يقرأُه، أم أن يكتبَ ما يستحقُّ أن يُقرأَ في عالمٍ تتكاثرُ فيه النصوصُ وتتراجعُ فيه الدهشةُ؟ فما الذي يجبُ ألّا يتغيّرَ في الكتابةِ كي تبقى فنًّا، لا مجرّدَ إنتاجٍ للكلماتِ؟»
هذا السؤال لم يكن استفسارًا عابرًا، بل مساءلة للمشهد الثقافي بأكمله؛ فمن فرادة الصوت إلى مسؤولية الكاتب، ومن وفرة النصوص إلى قيمة النص، ومن سلطة الخوارزميات إلى قدرة الإنسان على ابتكار ما لا يمكن اختزاله. يضع هذا السؤال الأدب أمام امتحان مزدوج: كيف يستفيد من تحولات العصر دون أن يفقد خصوصيته؟ وكيف يحافظ على دهشته في زمن وفرت فيه الكلمات وقلّ فيه الأثر العميق؟
المسألة ليست في أن يكتب الأديب أكثر، بل أن يمنح الكتابة ضرورة داخلية تجعلها جديرة بالوجود، وأن يترك في اللغة شيئًا من تجربته ورؤيته وإنسانيته التي لا تستطيع الخوارزمية أن تعيشها نيابة عنه.
منحت الأديبة أمان السيد الحضور فرصة للإنصات إلى تعدد الأصوات في تجربتها، وإلى المنطقة الملتبسة بين ما يعيشه الإنسان وما يستطيع البوح به، حيث تتحول الكتابة إلى وسيلة لاستعادة ما يتعرض للانكسار، ولمنح المهمشين والمنفيين حقهم في الحضور والصوت.
لقد أضاء التقديم النقدي للدكتورة عبير يحيى ملامح التجربة، وجاءت القراءات لتضع النصوص أمام اختبار التلقي الحي، ثم جاء الحوار ليكمل الدائرة، رابطًا بين النص وصاحبه، وبين التجربة الفردية والأسئلة الثقافية الكبرى. هنا تكمن قيمة اللقاءات الأدبية الحقيقية؛ فهي لا تمنح المبدع منبرًا للكلام فحسب، بل تفتح أمامه وأمام جمهوره مجالًا للتفكير المتبادل، وتمنح الأدب فرصة للخروج من عزلته إلى فضاء الحوار والمساءلة.
كل التقدير لرئيس فرع طرطوس لاتحاد الكتّاب العرب على رعايته اللقاء، وللدكتورة عبير يحيى على تقديمها النقدي، وللأديبة أمان السيد التي عبرت المسافة من سيدني إلى طرطوس، وللحضور الكريم الذي أسهم بأسئلته في إثراء هذا الموعد الثقافي.
في ختام اللقاء، ودّع الأدباء الأديبة أمان السيد، على أمل تجدد هذا الموعد الثقافي في ربوع وطنها الغالي سورية. فبعض اللقاءات لا تنتهي عند لحظة الوداع، بل تترك وعدًا بعودة أجمل، ومكانًا في الذاكرة ينتظر اكتمال الحكاية.
مهما امتدت المسافات بين سيدني وطرطوس، تبقى سورية القصيدة الأولى التي لا تنتهي، والأرض التي تحفظ في طينها الأول حكاية الروح، وفي بحرها ذاكرة البدايات. فمهما ابتعدت بها الجغرافيا، تظل جذورها تُصغي إلى نداء الوطن، كأن في القلب بوصلة لا تخطئ طريقها إلى الأرض التي أنبتت الحرف.
ربما لا يكون المنفى الابتعاد عن المكان، بل حمل الأمكنة في داخلنا، والبحث عن لغة تتسع لكل ما تركناه وراءنا. وربما لا تكون أزمة الكتابة في قلة القراء، بل في قدرتها على قول شيء يستحق الإصغاء إليه، وإيقاظ دهشة لم تستطع وفرة الكلمات إطفاءها. فما الذي يبقى من الأدب، إذا لم يجعلنا نرى العالم، والإنسان، وحتى أنفسنا، على نحو مختلف؟
ثقافة
ثقافة
ثقافة
اقتصاد