“العمل وحده لا يكفي”.. كيف تتآكل الطبقة الوسطى السورية تحت ضغط تكاليف المعيشة؟


هذا الخبر بعنوان "“العمل وحده لا يكفي”.. كيف تفقد الأسر السورية استقرارها تحت وطأة تكاليف المعيشة؟" نشر أولاً على موقع الحل نت وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في سوريا اليوم، لم يعد العمل كافياً لتأمين قوت اليوم أو ضمان الاستقرار. تعمل الأسر جاهدة لتجنب الانحدار أكثر في ضيق المعيشة، بينما تتآكل مقومات الحياة التي كانت تتيح للطبقة الوسطى الحفاظ على وجودها. تكمن المشكلة ليس فقط في ارتفاع الأسعار، بل في أولويات السياسة الاقتصادية وقدرة المؤسسات على مراجعة قراراتها وتحمل مسؤولية آثارها.
تُظهر قصة أم سهير، التي تعمل وزوجها على عربة لبيع الذرة والمعجنات على كورنيش طرطوس، مدى صعوبة تأمين الاحتياجات الأساسية. على الرغم من اختلاف طبيعة عملها عن موظفة في مؤسسة المياه وزوجها العامل في مخبز خاص، تواجه الأسرتان واقعاً واحداً: الدخل لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية. حتى تعليم الأبناء أو مواجهة نفقات طارئة أصبح عبئاً يفوق القدرة المالية للعائلة السورية.
تُقدر أم سهير حاجة أسرتها إلى نحو 6 ملايين ليرة سورية قديمة شهرياً. وفي أيام العطلات الصيفية، قد تصل مبيعات العربة إلى 600 ألف ليرة سورية قديمة في اليوم، لكن الربح اليومي يتراوح بين 100-300 ألف ليرة. ومع انحسار الموسم السياحي، تتوقف العربة عن العمل في الشتاء، فتنتقل أم سهير إلى رعاية الأطفال مقابل أجر، لكن هذه المصادر لا تكفي لتغطية النفقات المتزايدة، خاصة مع ظهور تكاليف جديدة مثل مواصلات الأبناء إلى مدرسة أبعد.
تتجاوز أزمة المعيشة في سوريا ضيق حال أسرة واحدة. ففي البلاد، لا تتعلق الأزمة بمن لا يجدون عملاً فحسب، بل أيضاً بمن يعملون ولا تكفيهم عائدات عملهم لبناء حد أدنى من الاستقرار. تتقلص المساحة التي كانت تسمح للأسرة بأن تعيش من عملها وتدّخر قليلاً وتخطط لمستقبل أبنائها. هذه المساحة هي ما يمكن تسميته الطبقة الوسطى، التي تآكلت بالفعل في سوريا.
تكشف الأرقام عن اتساع الفجوة بين الدخل والاحتياجات. ففي تقرير لصحيفة “قاسيون”، قُدّر متوسط كلفة معيشة أسرة سورية من خمسة أفراد بنحو 13.106 ملايين ليرة سورية شهرياً، والحد الأدنى بنحو 8.19 ملايين. الحد الأدنى الرسمي للأجور، البالغ 1.256 مليون ليرة، لا يغطي سوى نحو 9.5 بالمئة من متوسط كلفة المعيشة. لا تتعلق الفجوة بالطعام وحده، بل بالأولويات اللازمة لحياة مستقرة.
حتى الموظفة الحكومية، سمر (اسم مستعار)، التي تعمل مع زوجها في وظيفتين منفصلتين لتغطية نفقات الأسرة، تواجه صعوبات. لديها ثلاثة أبناء، تدرس الابنة الكبرى الحقوق في حمص، ويعمل الابن الثاني في توصيل طلبات، بينما لم تتمكن الابنة الصغرى من الالتحاق بالجامعة بسبب عدم قدرة الأسرة على تحمل تكاليف الدراسة. هذا الوضع يحرم الأبناء من فرص التعليم ويعيد إنتاج الفقر في المستقبل.
على الرغم من توقعات صندوق النقد الدولي بنمو اقتصادي في سوريا، إلا أن الفقر مستمر وعدم توازن التعافي بين المناطق. ارتفاع أسعار المستوردات، ولا سيما الوقود والغذاء، إلى جانب ارتفاع تكاليف الخدمات والسكن، يزيد من الضغوط التضخمية. النمو الاقتصادي لا يترجم تلقائياً إلى تحسن متساوٍ في حياة الأسر، فدخل الموظف يظل عاجزاً عن تغطية نفقات منزله.
التعافي الحقيقي يبدأ من قدرة السوريين على العيش من عملهم. لا يكفي قياس التعافي بمعدلات النمو أو بعودة النشاط إلى الأسواق. ينبغي أن يُقاس أيضاً بما يستعيده الناس من قدرة على العيش من عملهم، وبالفجوة بين الأجور وتكلفة الاحتياجات الأساسية، وبقدرة الأسرة على إبقاء أبنائها في المدارس والجامعات. الحل يبدأ من تقليص الفجوة بين الأجور وتكلفة المعيشة، عبر مراجعة دورية للأجور، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وضبط تكاليف الخدمات الأساسية والنقل، ودعم المشاريع الصغيرة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد