سياسة

سوريا وحلف مكة: بين الجغرافيا السياسية والأمن الإقليمي

جريدة الوطن٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٣ ص3 مشاهدة
سوريا وحلف مكة: بين الجغرافيا السياسية والأمن الإقليمي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الجار قبل الدار.. دمشق وحلف مكة" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يُردد المثل الشعبي «الجار قبل الدار»، مؤكداً على أهمية الجغرافيا ودورها في تحديد العلاقات. فالموقع الجغرافي يمكن أن يكون بوابة للاستقرار والتنمية، أو مصدراً للقلق المستمر. وفي هذا السياق، تواجه دمشق تحدياً ملحاً يتمثل في حماية أمنها وإعادة بناء علاقاتها دون الانجرار إلى صراعات لا تخدم مصالحها.

تبرز أهمية تصريحات وزير الخارجية أسعد الشيباني حول دراسة انضمام سوريا إلى «حلف مكة»، وهو اتفاق دفاعي يجمع السعودية وتركيا وباكستان. لا يقتصر هذا الاتفاق على التنسيق العسكري، بل يهدف إلى الردع المشترك وتعزيز قدرة الدول على مواجهة الأخطار. بالنسبة لسوريا، التي خرجت من سنوات من الاستنزاف وتواجه تحديات أمنية في جنوبها، وتحتاج إلى حلفاء أقوياء لمواجهة الأطماع الإسرائيلية، فإن طرح الانضمام يفتح نقاشاً ضرورياً حول مكانتها في الترتيبات الإقليمية المستقبلية.

من الضروري ألا تبقى دمشق خارج هذا النقاش، ولكن يجب ألا تنضم إلى أي حلف لمجرد البحث عن حماية. فالتحالف الفعال هو الذي يعزز قوة الدولة ولا يصادر قرارها. إذا كان الانضمام سيوفر فرصاً للتعاون الدفاعي والتدريب وتبادل الخبرات، ويعزز وزنها السياسي، فهو خيار يستحق الدراسة الجادة. فالدول اليوم تسعى للانضمام إلى تحالفات تعزز أمنها وتنمي اقتصادها، وتساعدها في مواجهة تحديات لا يمكنها التعامل معها بمفردها.

أتفهم تحفظ السوريين الذين خرجوا لتوه من سنوات عصيبة، ويرغبون في إعادة ترتيب أولوياتهم نحو البناء والترميم. لا أتوقع أن يطلب التحالف من دمشق دوراً يفوق طاقتها، فالحلف الذي لا يراعي خصوصية وقدرات كل طرف لا يخدم مصلحة سوريا.

تتجاوز أهمية التحالف إطاره السياسي والدفاعي لتشمل الاحتياجات السورية المتعددة: سياسية، أمنية، اقتصادية، واجتماعية. فالإنفاق على إعادة الإعمار والخدمات والبنية التحتية يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن الداخلي والخارجي. وأي شراكة دفاعية لا تراعي هذه الأولويات قد تعزز الحضور السياسي للدولة، لكنها قد تترك المواطن ينتظر أثرها الحقيقي.

تتزامن هذه المسألة مع تطورات إقليمية تقدم صورتين مختلفتين للجوار. فمن جهة، حملت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى دمشق فرصاً للتعاون الاقتصادي والتجاري وأمن الحدود. ومن جهة أخرى، أعادت الغارات الأردنية على الجنوب السوري، وما أسفرت عنه من ضحايا مدنيين، التذكير بأن علاقات الجوار قد تتعرض لاختبارات قاسية في غياب التنسيق وانتهاك السيادة.

ومع ذلك، يجب ألا نحول هذه الوقائع إلى تقسيم دائم بين جار صديق وآخر عدو. فالعراق والأردن شريكان بحكم الجغرافيا والمصالح، وما يجمع شعوب المنطقة أعمق من أي خلاف سياسي أو حادث أمني. من حق دمشق إدانة أي اعتداء والمطالبة بالمحاسبة، كما من مصلحتها إبقاء باب الحوار مفتوحاً لمنع تكراره. فالجار قبل الدار، ولكن حسن الجوار يتطلب جهداً مشتركاً.

في سياق «حلف مكة»، يجب فهمه كاحتمال لتعزيز موقع دمشق ضمن شبكة أوسع من التفاهمات، وليس كبديل للعلاقات الثنائية مع العراق والأردن، أو كمشروع لإقامة جدران جديدة. سوريا، التي تربط الخليج وبلاد الرافدين بتركيا والبحر المتوسط، يمكن أن تكون ممراً للتجارة والطاقة، لا للأزمات. هذا الدور يتطلب حدوداً آمنة، قوانين مستقرة، وثقة متبادلة. ومع توقع توسع الحلف مستقبلاً ليشمل جوار سوريا، يبقى السؤال: هل تبقى خارج التحالف أم تستبق الخيار؟

يطالب الشارع بالتنمية أولاً، وهذا حق مشروع. لكن اختزال التنمية في توقيع مذكرات التفاهم هو خطأ. فالمستثمر يحتاج إلى بنية تحتية قوية وحماية قانونية، والتاجر يحتاج إلى معابر منتظمة وإجراءات مستقرة. إذا لم تُترجم العلاقات السياسية إلى تفاصيل يومية، فستبقى فرص الموقع الجغرافي مجرد حديث في المؤتمرات. يجب على صانع القرار شرح أن التنمية لا تتحقق دون تحالفات سياسية، لتجنب تزايد الفجوة بين المواقف.

مشروع مارشال بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن ليقوم لولا التحالفات السياسية. وعلى الرغم من أن الشارع قد ينسى، إلا أنه يجب تذكيره.

التهديدات الإسرائيلية المستمرة وخطاب اليمين المتطرف تجعل البحث عن توازنات إقليمية أمراً مفهوماً. ومع ذلك، ليس كل حلف يضمن منع الاعتداء، ولا تكفي عبارة «الدفاع المشترك» دون تحديد شروط تطبيقها وحدودها. يجب على السوريين أن يسألوا عن طبيعة الالتزام ومكانة القرار الوطني.

الدولة التي تبحث عن الأمن تحتاج إلى مؤسسات قوية، جيش منظم، اقتصاد صامد، وسياسة خارجية متوازنة. «الإيد الواحدة ما بتصفّق»، ولكن الأيدي الكثيرة لا تصنع نتيجة إذا لم تتفق على الهدف. ينبغي أن تسبق أي خطوة نحو الحلف مناقشة صريحة لشروط العضوية وتكلفتها ومدى انسجامها مع الالتزامات القائمة. الأهم هو قدرة سوريا على قول «نعم» عندما تتوافق المصالح، و«لا» عندما تتعارض. ليس كل تقارب تنازلاً، وليس كل تحفظ عزلة. يجب مناقشة هذه الخيارات أمام الرأي العام قدر الإمكان.

«دبلوماسية تصفير المشكلات» خيار عملي، لا شعار. معناها إدارة الخلافات بالتفاوض والضمانات والمصالح المشتركة، لا دفنها. المطلوب من دمشق بناء تفاهمات أمنية مع جيرانها وتوسيع شراكاتها الإقليمية، دون أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين المحاور.

في النهاية، لن يقيس السوريون قيمة أي تحالف بما يلمسونه من استقرار واستثمار وعمل وخدمات. إذا أسهم الانفتاح على حلف مكة في حماية السيادة وتهيئة بيئة التنمية، كان مكسباً. أما إذا اكتفى بإضافة التزامات سياسية وعسكرية إلى بلد مثقل بالأعباء، فقد يفقد جدواه.

دراسة الانضمام خطوة في الاتجاه الصحيح، بشرط أن تبدأ بسؤال: ماذا تكسب سوريا وماذا قد تخسر؟ فالجار قبل الدار، ولكن الدار تحتاج إلى من يحميها وسياسة تبقي أبوابها مفتوحة للجيران، دون ترك مفاتيحها في أيدي الآخرين.

شارك الخبر: